176 - حدثنا حاتم ، ح يحيى قال : ح الحماني قال : ح إبراهيم بن سعد ، عن صالح بن كيسان ، عن ابن شهاب ، عن عبد الحميد بن عبد الرحمن ، عن محمد بن سعد ، عن أبيه قال : استأذن عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وعنده نسوة من قريش يسألنه يستكثرنه عالية أصواتهن على صوت النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما أذن النبي صلى الله عليه وسلم لعمر تبادرن الحجاب ، فدخل عمر والنبي صلى الله عليه وسلم يضحك ، فقال : أضحك الله سنك يا رسول الله بأبي أنت وأمي من أي شيء ضحكت ؟ قال : « عجبت من هؤلاء النسوة اللاتي كن عندي لما سمعن صوتك تبادرن الحجاب » ، فقال عمر رضي الله عنه : بأبي أنت وأمي كنت أحق أن يهبن (1) ، فأقبل عمر عليهن فقال : أي عدوات أنفسهن تهبنني ولا تهبن رسول الله ؟ فقلن لعمر : أنت أفظ وأغلظ (2) من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال صلى الله عليه وسلم : « والذي نفس محمد بيده يا ابن الخطاب ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غير فجك » قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله : قال قائل : ظاهر هذا الحديث يرى أن الشيطان كان يهاب عمر ، ولا يهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأن الشيطان حضر بحضور النسوة ، فلما ذهب الشيطان بحضور عمر تبادرت النسوة الحجاب ، والنبي صلى الله عليه وسلم شاهد ، وهو أرفع درجة ، وأعلى رتبة من عمر ، فكيف لم يهبه الشيطان ، وهاب عمر رضي الله عنه ؟ فالجواب : أنه ليس في الحديث ما يدل على حضور الشيطان حضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمر رضي الله عنه بعذرهن في هيبتهن إياه ، فقال : وكيف لا يهبنك ، والشيطان يهابك ، ولو كان الحال يوجب حضور الشيطان لكانت الحال حال معصية ، ولو كان كذلك لكان صلى الله عليه وسلم ينهى عن ذلك ، وينكر عليهن ، فلما لم يفعل دل أنها لم تكن حال عصيان الله ، فيحضر الشيطان قال الشيخ : ومعنى قوله : « عالية أصواتهن » أرفع من صوته ، ويجوز أن يكون ذلك قبل نزول النهي عن رفع الصوت فوق صوت النبي صلى الله عليه وسلم قال الشيخ رحمه الله : ويجوز أن يكون الشيطان كان يخاف عمر ، ولا يخاف النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لو خاف النبي صلى الله عليه وسلم لم يخل خوفه منه وهيبته إياه من أحد وجهين : إما خوف إجلال وتعظيم ، وهو فضله ، والشيطان أبعد شيء من الفضائل ، أو يكون خوف عقوبة يحلها به ، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعاجل بالعقوبة استخفافا به ، وقلة مبالاة ، إذ لم يكن صلى الله عليه وسلم يخاف فتنته ، ولا يهاب وسوسته ، وقد أيس الشيطان من ذلك ، فلا يوسوس إليه ، ولا يقرب منه ، وأمن عقوبته فلم يهبه اغترارا به ، وأمنا من مكر الله ، وهما من صفاته ، أعني الاغترار بالله ، وأمن مكره . وأما عمر رضي الله عنه فإنه كان يخاف الشيطان أن يفتنه ، ويوسوس إليه ، فكان يناصبه ويستعد له ، وينصر عليه ، فكان الشيطان يخافه لاستعداده له ، ومناصبته إياه ، فكان يترك فجه ، وسبيله حذرا منه . وأما النبي صلى الله عليه وسلم فكان لا يبالي به ، ولا يتفكر فيه استخفافا به ، واستصغارا له ، كأنه ليس بشيء . وقد قال أبو حازم : وما الشيطان حتى يهاب ، فوالله لقد أطيع فما نفع ، وعصي فما ضر وعامر بن عبد الله كان الشيطان يتمثل له في صورة حية في موضع سجوده ، فكان إذا أراد أن يسجد نحاه بيده ، ويقول : والله لولا نتنك لم أزل أسجد عليك وقال بعض الكبار : لولا أن الله تعالى أمر بالاستعاذة من الشيطان ما استعذت منه ، ولو ناصبوه واستعدوا له أتعبوه تعبا لا يقرب منهم ، ألا ترى إلى ما روي في الحديث : « إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله حصاص » ، هذا فيمن لم يقصد ، فكيف بمن يقصد له ذاكرا لله ، مستعيذا به منه ، غير أن الأنبياء عليهم السلام ، والأكابر ممن دونهم لا يبالونه ، ولا يتفكرون فيه ، فهو يأمنهم اغترارا بالله ، فيدنو منهم يروم منهم ما يروم من غيرهم فلا يضرهم ، يضر نفسه ، كمثل الفراش يأمن النار فيدنو منها فيحرق نفسه ، ألا ترى إلى ما روي في حديث عيسى ابن مريم صلوات الله عليه ، وهو ما
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 176
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
