175 - حدثنا حاتم ، ح يحيى ، ح الحماني ، عن عبد العزيز بن محمد ، عن يزيد بن الهاد ، عن محمد بن إبراهيم ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سمعته يقول : « ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت ، يتغنى بالقرآن يجهر به » قال الشيخ الإمام الزاهد رحمه الله : إن الإنسان إذا أصابه غم ، فأحب أن يتسلى بشيء ، أو ضاق صدره من أمر ، فأراد أن يفرح ، أو أصابته وحشة فأحب إزالتها عنه ، ربما يغني ، وهو أن ينغم ، ويرجع صوته لشيء من الشعر ، والزجل ، والمنظوم من الكلام ، يطلب بذلك راحة وفرحة مما هو فيه من الوحشة أو الكرب ، والغم . والأنبياء ، والرسل ، وأفاضل الأولياء ، والصديقون همومهم هم المعاد ، وكربهم كرب الدين ، ووحشتهم مما دون الله ، وضيق صدورهم عما يشغلهم عن الله ، فهم لا يتفرحون من كربهم إلا بذكر ربهم ، ولا ينسلون عن غمومهم وهمومهم إلا بمولاهم ، فيرجعون أصواتهم بقراءة القرآن الذي من محبوبهم بدأ ، وإليه يعود ، وبخشيته من قلوبهم ، ورقة من أفواه أفئدتهم ، ويزان محبته بين ضلوعهم وماء الاشتياق يجري على خدودهم ، فتحسن لذلك أصواتهم ؛ لأن حسن الصوت بالقرآن هو قراءته على خشية من الله . وسئل النبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله من أحسن الناس صوتا بالقرآن ؟ فقال : « من إذا قرأ رأيت أنه يخشى الله تعالى » فأخبر أن حسن الصوت بالقرآن قراءته على خشية من الله . فقوله صلى الله عليه وسلم : « حسن الصوت يتغنى بالقرآن » ، يريد به إن شاء الله قراءته على خشيته من الله عز وجل ، وخشوع في نفسه ، ورقة من فؤاده ، وهي قراءة الأنبياء عليهم السلام ، وأفاضل الأولياء ، ليس ترجيع الصوت والإلحان ، وتحريك الحنك ، كفعل من يتلهى بكلام المحدث الذي يريد به إثارة الشهوات الخفية بقلوب لاهية ، وأفئدة ساهية تتزين للناس ، ولا يطرد الخناس ، ويزيد في الوسواس ، فمن رزق حسن النعمة ، وخشية القلب ، ورقة الفؤاد ، فقرأ القرآن مترسلا له ، مرتلا حق حروفه ، فذلك الكامل الذي أوتي مزمارا من مزامير آل داود كما قال صلى الله عليه وسلم حين سمع قراءة أبي موسى ، فقال : « لقد أوتي أبو موسى مزمارا من مزامير داود » صلى الله عليه وسلم . وقال أبو موسى رضي الله عنه ، وقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم : « قد سمعت قراءتك » ، فقال : أما لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرا ومن لم يرزق حسن النعمة ، وأتي بما سواها من لم يخرج إن شاء الله تعالى من صفة من يأذن الله له بحسن صوته وقوله صلى الله عليه وسلم : « ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي » ، أي : ما رضي من المسموعات شيئا هو أرضى عنده ، ولا أحب إليه ، ولا آثر لديه من قراءة القرآن على خشية من الله ، والله تعالى موصوف بالسمع والبصر ، والرؤية ، والإدراك ، وهو السميع البصير ، والسمع صفة له على الحقيقة في ذاته بخلاف ما يفعل من استماع المحدثين ، تعالى الله عن صفات الحدث علوا كبيرا ، فهو سامع للمسموعات على الحقيقة ليستمع ، هو له صفة ، وليست بجارحة ، فإذن الله سماعه لقراءة القرآن ، وهو تعالى لا يوصف بأنه أسمع بشيء منه لغيره ، ولا يوصف بالاستماع الذي هو جمع الفكر ، وإحضار السر ، وإلقاء السمع . فلذلك حمل معنى تخصيص سماع القرآن منه على الرضا والمحبة والإيثار ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من لم يتغن بالقرآن فليس منا » ، يجوز أن يكون معناه من لم يتفرج من غمومه ، ولم يكتف مما يلهيه عن كربه ، ويسليه عن همومه ، ويطرد وحشاته بقراءة القرآن والتفكر فيه ، والتدبر له فليس منا ، أي : ليس ذلك من أوصافنا ، ولا تشبه بنا طريقة وصفة ، وإن كان منا نحلة وملة هي قوله : « من لم يتغن بالقرآن فليس منا » له معنيان : أحدهما : أن من لم يكن همومه هموم المعاد ، ووحشته من أوصاف المحدثين فليس منا ؛ لأن التسلي بكلام الله إنما يكون من كرب الدين والهموم التي تكون في الله ، فيكون التسلي منها بما من الله تعالى ، فأما هموم الدنيا من جهة فواتها ونيلها ، ووحشة الخلق من الاتزان والأخدان ، فإنما يطلب لها الملاهي ، وترجيع الأصوات بالأغاني . والمعنى الآخر : أن من لم يستأنس بالله وأذكاره ، ولم يرجع إلى الله عند ضروراته ، ولم تكن صفاته جل وعز حائلة له عن وحشة صفاته ، فليس منا خلقا وسيرة ، وإن كان منا نطقا وسريرة . والله أعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 175
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
