139 - قال : حدثنا محمد بن عمر المعدل ، قال : ح أحمد بن عبد الله بن مالك قال : ح إسحاق بن إبراهيم الشامي قال : أخ علي بن حرب الموصلي قال : ح موسى بن داود الهاشمي قال : ح ابن لهيعة ، عن محمد بن عبد الرحمن بن نوفل ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن علي بن أبي طالب ، رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « الصلاة قربان كل تقي ، والحج جهاد كل ضعيف ، وجهاد المرأة حسن التبعل ، الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر ، من أيقن بالخلف جاد بالعطية ، حصنوا أموالكم بالزكاة ، ما عال امرؤ اقتصد ، التقدير نصف العيش - وفي رواية : نصف المعيشة - والتودد نصف العقل ، والهم نصف الهرم ، وقلة العيال أحد اليسارين ، من أحزن والديه عقهما ، من ضرب يده عند المصيبة حبط عمله ، لا يكون الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين كما لا تصلح الرياضة إلا في النجيب ، ينزل الرزق على قدر المؤنة ، وينزل الصبر على قدر المصيبة ، ومن قدر رزقه الله تعالى ، ومن بذر حرمه الله تعالى ، الأمانة تجر الرزق ، والخيانة تجر الفقر ، ولو أراد الله تعالى بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا ، فهذه أحد وعشرون خصلة ، وهي من جوامع الكلم » قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله : قول صلى الله عليه وسلم : « الصلاة قربان كل تقي » ، من أفضل الأعمال المقربة إلى الله تعالى ، قال الله تعالى واسجد واقترب (1) وعن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أقرب ما يكون العبد إلى الله تعالى إذا قال في سجوده : رب ظلمت نفسي ، فاغفر لي » ، والتقي تقيان : تقي على الإطلاق ، وتقي على التقيد ، فمن اتقى الله في سره وعلانيته ، وبذل مجهوده في أداء فروضه ، واجتناب مناهيه ، فهو تقي على الإطلاق ، ومن لم يستكمل هذه الخصال ، واتقى الشرك ، فهو تقي على التقيد ، فالتقي المطلق مقبول عمله ، فعمله قربة له ، فصلاة هذا التقي على الإطلاق لقوله تعالى إنما يتقبل الله من المتقين (2) ، ومن قبل عمله فعمله قربة له ، فصلاة هذا التقي له قربان من غير شرط ؛ لأنه وعد من الله ، والله لا يخلف الميعاد ، والتقي المقيد هو الذي يقال له : اتق الشرك يقيد له قبول عمله بالمشيئة ، فإن قبلت صلاته كانت صلاته قربانا ، وإن ردت عليه لم تكن ، فالصلاة قربان كل تقي مطلق على الإطلاق لا محالة وعدا من الله صدقا ، ويجوز أن يكون قربان من اتقى الشرك أن قبل الله تعالى صلاته فضلا من الله ورحمة . ويجوز أن يكون معنى قوله : « الصلاة قربان كل تقي » أي : أن الصلاة من التقي المعدم تقوم مقام الضحايا والنسائك ؛ لأن التقي إذا وجد تقرب إلى الله بكل وجه ، فهو يتقرب إلى الله تعالى بكل وجه ، فهو يتقرب إلى الله تعالى بالضحايا ، والنسائك ، والصدقات ، وإن لم يجد كانت تلك بنية أن وجد ، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن العبد يهم بالحسنة فتكتب له حسنة ، وإن عملها كتبت له عشرا : » . فهذه صلاته تقوم له مقام القرآن ؛ لأنه بذل مجهوده في التقرب إلى الله تعالى . وقوله صلى الله عليه وسلم : « الحج جهاد كل ضعيف » الجهاد تحمل الآلام بالبدن والمال دون بلوغ أقصى الغاية فيه إذ فيه بذل الروح وكل المال ، قال الله تعالى إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون (3) ، ومن ضعف عن هذا الجهاد لزمانة أو عذر فالحج له جهاد ، إذ فيه تحمل بعض الآلام ، وبذل بعض المال ، وحسن التقبل من المروءة تحمل الآلام فيما تكرهها وتشق عليها ، فهو منها جهاد إذ لا جهاد عليها ، جهاد قتل . وقوله : « الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر » والرامي بلا وتر متمن للترمي ، وليس برام ، إذ لا يمكنه الرمي من غير وتر ، فكأنه يتمنى أن يرمي ، فإن عزم على الرمي وأراده أعد الوتر ثم رمى ، فكذلك الداعي من غير عمل متمن بلوغ ما يدعو فيه ، وليس بمريد لما يدعو فيه ، ولا عازم على الطلب له ، فإن صحت إرادته لما يدعو فيه عزم على الطلب له ، وعزيمته عليه عمل صالح يقدم بين يدي دعوته . وقوله : « من أيقن بالخلف جاد بالعطية » الخلف خلفان : ثواب في الآجل ، وعوض في العاجل ، والله عز وجل وعدهما جميعا وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين (4) ، فهذا في عوض العاجل ، وقال عز وجل مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء (5) ، فهذا في ثواب الآخرة ، وعوض العاجل أن يخلف الله عليه عشرة لواحدة ، لقوله عز وجل من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها (6) ، أو يبارك له في الباقي ، فيقوم الواحد مقام العشرة ، وينوب الواحد مناب عشرة ، فمن شاهد هذين الخلفين ببصر قلبه أسرع إلى العطية ؛ لأن اليقين بصر القلب . وقوله صلى الله عليه وسلم : « حصنوا أموالكم بالزكاة » . للمال مستحقان المساكين والحوادث ، فالطالب بحق المساكين هو الله تعالى ، والحوادث يأتي بها الأقدار ، وهي يد الله تعالى ، والمؤدي حق المساكين مرض لله عز وجل لمحو الله ما يشاء ويثبت ، أو يجريها على وقوع الحوادث فجعلها بهذه ، وقد قال الله عز وجل ما عندكم ينفد وما عند الله باق (7) ، ويخلف منها ، ويلهم الصبر عليها ، ويعظم الثواب فيها ، فالزكاة حصن لها إن بقيت عنده ، وهي لها أحصن إن حصلت عند الله تعالى . قوله : « ما عال امرؤ اقتصد » يجوز أن يكون معنى قوله اقتصد أي : قصد فيكون معناه : من قصد الله عز وجل بالثقة به والتوكل عليه لم يحوجه إلى غيره ، بل قام بكفايته ، وسد خلته ، فقد قال الله تعالى ومن يتوكل على الله فهو حسبه (8) ، وقال تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب (9) ، يجوز أن يكون معناه : من يتق الله في الإقبال عليه والإعراض عن من سواه يجعل له متسعا ، ويرزقه عمن عنده وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « لو توكلتم على الله تعالى حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير » الخبر ، فمن قصد الله تعالى بالتوكل عليه ، والثقة به لم يصبه عيلة ، والعيلة اختلال الحال ، والحاجة إلى الناس . وقوله : « التقدير نصف العيش » ، كمال العيش شيئان : مدة الأجل ، وحسن الحال في هذه المدة ، والتقدير هو التوسط بين التقتير ، والتبذير ، قال الله عز وجل : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا (10) ، وحسن الحال مهنأ ما يمكنه في عاجله ، والمسرف يحرم ثواب نفقته في أجله ، والبركة في عاجله ، ونبوات البركة ، والمهنأ فوات حسن الحال ، وبحصولهما حصول حسن الحال ، وحسن الحال أحد نصفي العيش ، وكماله استكمال مدة الأجل . وقوله صلى الله عليه وسلم : « التودد نصف العقل » ، إقامة العبودية لله تعالى ، وحسن المعاملة مع خلق الله تعالى ، فإقامة العبودية لله تعالى شيئان : الوفاء في الأمر بالأداء ، والرضا في الحكم والقضاء ، وحسن المعاملة كف الأذى ، وبذل الندى ، ومن كف أذاه ، وبذل نداه ، وده الناس ، فكأنه من أحسن معاملة خلق الله ، فقد جاز نصف العقل ، فإن أقام العبودية لله عز وجل استكمل جميعه ، وقوله صلى الله عليه وسلم : « الهم نصف الهرم » ، ضعف ليس وراءه قوة ؛ لأنه انحلال القوى ، وهي إذا انحلت لم تنعقد ، والهم يضعف ضعفا ، يجوز أن يكون وراءه قوة ما لم تحل القوى ، فإذا حل الهم القوي ، فهو الضعيف الذي ليس وراءه قوة ، فإن لم يحلها ، وزال الهم عادت القوة ، والهم إذا نصف الضعف الذي جميعه انحلال القوى ، وفسادها . وقوله صلى الله عليه وسلم : « قلة العيال أحد اليسارين » اليسار : خفض العيش ، واليسر فيه ، وهو زيادة الدخل على الخرج ، أو وفاء الدخل بالخرج ، فمن كثر دخله ، وقل ، أو كثر عياله ، فضل له من دخله ، أو وفى دخله بخرجه ، ومن قل دخله ، وقل عياله ، وفى دخله بخروجه ، أو فضل من دخله ، وخفض عيشه ، ويسر . وقوله : « من أحزن والديه فقد عقهما » العقوق قصد الجفا للأبوين ، وفي الجفا لهما إدخال الألم عليهما ، والحزن ألم ، فمن أحزنهما من غير قصد الجفاء ، فقد آلمهما ، والألم عقوق . وقوله صلى الله عليه وسلم : « من ضرب يده عند المصيبة فقد حبط عمله » ، ثمرة العمل ثوابه ، وثواب المصيبة في الصبر عليها ، قال الله تعالى : إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (11) ، وضرب اليد عند المصيبة جزع ، ومن جزع عند المصيبة لم يستحق الأجر ، فالجزع مبطل ثواب المصيبة ، ومن فاته الثواب على عمله فقد حبط عمله . وقوله : « لا يكون الصنيعة إلا عند ذي حسب ودين كما لا تصلح الرياضة إلا في النجيب » ، من الدواب ، وما ليس بنجيب فلا تقع فيه ، فرياضة لا تفيد معنى ، ويتعب الرايض ، والغرض من الصنيعة ثواب الآجل ، وشكر العاجل ، فمن قصد بصنيعته ثواب الآجل اصطنع إلى ذي الدين ، فصان به دينه ، فيعظم ثوابه ، ومن قصد شكر العاجل اصطنع إلى ذي حسب ، فصان به عرضه ، فحسن شكره ، ومن اصطنع إلى غير هذين ، فكأنه يقصد الغرض من الصنيعة إذ لم يصبن بها دنيا ، ولا عرضا ، ومن لم يصبن بالصنيعة دينه ، ولا عرضه ، فكأنما لم يصطنع . وقوله : « ينزل الرزق على قدر المؤنة » ، أن الله تعالى جعل لكل ذي روح رزقا من غداه ، أو ملك ، أو جميعهما ، فمن حصل عنده ذوو الأرواح حصل له أرزاقهم . وقوله : « ينزل الصبر على قدر المصيبة » صفة الإنسان الجزع ، قال الله تعالى : إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا (12) ، فمن جوهره ، وصفته الجزع ، وأما الصبر فبالله يكون . قال الله تعالى : واصبر وما صبرك إلا بالله (13) ، فمن عظمة مصيبته ينزل الصبر على قدرها ، وفيه تنبيه للصابر إن صبر على عظم مصيبته بالله تعالى ، لا به . وقوله : « من قدر رزقه الله تعالى ، ومن بذر حرمه الله تعالى قليل النفقة » ، في المعصية تبذير ، وكثيرها في ضياعه تقدير ، فمن أطاع الله تعالى ، فوضع النفقة في حقها اتقاه ، ومن اتقاه رزقه من حيث لا يحتسب ، ومن لم يطع الله تعالى ، فأنفقه في غير حقه ، فقد عصاه ، ومن عصاه لم يخلف عليه في الدنيا ، ولا استحق الثواب في العقبى ، فقد حرم المبذر ثواب الآجل ، وخلف العاجل ، ورزق المقدر الخلف في العاجل ، والثواب في الآجل . وقوله : « الأمانة تجر الرزق » ، الأمانة ذم الجوارح ، وكف النفس عن الشهوات ، وهو التقى ، والتقي مرزوق ؛ لأن الأمانة تستجلب القلوب إلى نفسه ، والجناية تنفرها ، والجناية تجر الفقر ، والجناية تضييع الجوارح ، وانهماك في الشهوات ، والفقر والحاجة إلى غير الله تعالى ، وتضييع الجوارح ، ومتابعة الشهوات إعراض عن الله تعالى ، ومن أعرض عن الله تعالى أقبل على غير الله ، ومن أقبل على غيره افتقر ؛ لأن من دون الله فقير ، قال الله تعالى : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله (14) وقوله صلى الله عليه وسلم : « لو أراد الله تعالى بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا » ، النمل مساكنها تحت الأرض ، واحترازها عن الآفات ، وفي لزوم مسكنها ، فإذا ظهرت على وجه الأرض تعرضت للآفات ، قال الله عز وجل : قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده (15) ، فإذا نبت لها جناح نهضت للطيران على ضعف ، فسقطت في ماء ، فغرقت ، أو في نار واحترقت ، أو في فم طائر فابتلعها ، أو بعدت عن مساكنها ، فلم يهتد إليها ، وفي هذا فسادها وهلاكها . ويجوز أن يكون مثلا لكل متعد طوره ، ومجاوز قدره بنظره إلى نفسه بقوة يحدثها الله تعالى له من عمر ، أو آلة . قال الله عز وجل : إنما نملي لهم ليزدادوا إثما (16) ، وقال الله عز وجل : أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (17) وقوله : « لو أراد الله بالنملة صلاحا ما أنبت لها جناحا » ، دليل على بطلان القول بالأصلح ، وأن الله تعالى يفعل بمن شاء ما شاء من صلاح ، أو غيره ، ولا يسأل عما يفعل ، وهم يسألون
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 139
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
