116 - وأما فقر الآخرة فهو ما جاء في الحديث : « أتدرون من المفلس ؟ » قالوا : المفلس فينا يا رسول الله من لا درهم له ولا متاع ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلواته وصيامه وزكاته ، ويأتي قد شتم هذا ، وقذف هذا ، وأكل مال هذا ، وسفك دم هذا ، وضرب هذا ، فيقعد فيقضي هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن قضيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه من الخطايا أخذ من خطاياه ، فطرح عليه ، ثم طرح في النار » قال : حدثنا نصر بن الفتح قال : أبو عيسى قال : ح قتيبة بن سعيد قال : ح عبد العزيز بن محمد ، عن العلاء بن عبد الرحمن ، عن أبيه ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « أتدرون من المفلس ؟ » وذكر الحديث . فهو الفقر الذي يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم عناه ، وأمر بالتعوذ منه مع ما ذكرنا من القسمين وأما القلة فيجوز أن يكون التكثر بالمال والاستغناء بالثروة ، والسكون إليه ، والاعتماد عليه ، فقد قال الله عز وجل قل متاع الدنيا قليل (1) قال الحكيم رحمه الله : من استغنى بماله قل ، ومن اعتز بمخلوق ذل ، فمن أقل ممن استكثر بالقليل ، واستغنى من النذر الحقير ويجوز أن يكون القلة القلة من الأعمال الصالحة ، وما عمل منها مدخول فيها ، فقد قال الله عز وجل في صفة قوم لا يذكرون الله إلا قليلا قال : قلت أذكارهم ، وما وقع منها فمراءاة ، والقليل مع الإخلاص كثير ، والكثير دون الإخلاص قليل ، وأما الذلة فالتعزز بالمخلوق ، والاستظهار بالنادي والعشير ، قال الله عز وجل فليدع ناديه سندع الزبانية (2) ، وقال الله عز وجل ليخرجن الأعز منها الأذل (3) ، فكان الأذل هو الأعز عند نفسه بكثرة أتباعه وكثرة أنصاره ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : « من اعتز بالمخلوق أذله الله » ، وقال صلى الله عليه وسلم : « من اعتز بمخلوق ذل ، ومن اهتدى برأيه ضل » ، فالذلة هي التعزز بمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ، ولا يملك موتا ولا حياة ولا نشورا ، فهو كما قال الله عز وجل ضعف الطالب والمطلوب (4) ويجوز أن تكون الذلة الشذوذ عن الجماعة ، والاعتزال عن السواد الأعظم ، واتباع الهوى بمخالفة الكتاب والسنة ، والاتباع لغير سبيل المؤمنين ، فقد قال الله عز وجل ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم (5) ، فلا أذل ممن رد إلى نفسه الأمارة بالسوء ، وانفرد في متابعة هواه ، وظلمة رأيه ، وانقطع عمن له العزة ، فإن العزة لله ، ولرسوله ، وللمؤمنين ، فمن انقطع عن الله عز وجل بإعراضه عن كتاب الله عز وجل ، وأعرض عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتركه لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وخالف أولياء الله عز وجل باتباعه غير سبيلهم ، فهو الوحيد العزيز ، الشريد ، الطريد ، الحقير ، الذليل ، النذر ، القليل ، جليس الشيطان ، وبغيض الرحمن ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « عليكم بالجماعة ، فإن الذئب يأخذ الشاة والعاصية » فيجوز أن يكون الذلة التي أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتعوذ منها متابعة الهوى في دين الله عز وجل ، والتعزز بما دون الله تعالى : إن الشرك لظلم عظيم (6) وقوله : « أن تظلم ، أو تظلم » ، والظلم أنواع ، منها : الشرك ، وهو أعظمه ، قال الله تعالى إن الشرك لظلم عظيم ومنها ظلم عباد الله ، وهو الإفلاس بين يدي الله ، والمصير إلى عذاب الله تعالى ، ومنها ظلم المرء نفسه ، وهو الحيرة يوم القيامة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن الظلم ظلمات يوم القيامة » ؛ لأن من ظلم نفسه منعها حقها الذي أوجب الله تعالى عليه لها من إتيان ما أمر الله تعالى به ، فأتى يوم القيامة خلوا عن الأعمال التي نورها يسعى بين أيدي المؤمنين ، وبأيمانهم ، فبقي في ظلمة ، فإن قيل : ارجع وراءك ، فالتمس نورا ، فقد خاب ، وضل ، وإن تداركه الله تعالى برحمته أضاء له إيمانه ، وأنار له توحيده ، فذلك فضل الله ، والله ذو الفضل العظيم فمن ظلم فاتته آخرته التي لها معاده ، فخسر خسرانا مبينا ، وضل في النار ضلالا بعيدا ، إذا ضر بها ، فنوقش ، وعذب ، أو يرحمه الله تعالى ، إن شاء برحمته التي وسعت كل شيء ، وإن ظلم أحل بدنياه التي فيها معاشه ، فشقي ، وتعب ، أو يرفق الله تعالى به ، والله رؤوف رحيم . ففي أمره صلى الله عليه وسلم بالتعوذ من أن تظلم ، أو تظلم إشارة إلى ضعف العبد ، وفقره ، وأنه لا بد له في الدنيا من مرافقة التي يصلح بها دينه ، وتقوم بها نفسه ، ويصون بها عرضه ، قال الله تعالى : وخلق الإنسان ضعيفا (7) ، ولا بد له في الآخرة مما يرجع إليه من رحمة الله ، وشفاعة رسول الله ، وعمل صالح قدمه لينال به ثواب الله عز وجل ، قال الله تعالى : يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (8)
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 116
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
