109 - قال : حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ، قال : ح عبد الله بن موسى التيمي قال : ح يعقوب بن عبد الله بن عمرو بن أمية الضمري ، عن جعفر بن عمرو ، عن أبيه عمرو بن أمية رضي الله عنه قال : قلت : يا رسول الله ، أرسل ناقتي وأتوكل ؟ أو أقيد وأتوكل ؟ قال : « بل قيد ، وتوكل » قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف : أصل التوكل السكون على ما سبق من قضاء الله وقدره ، وهو أن يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، وإذا تحقق العبد بذلك سكن منه الاضطراب ، وسقط عنه السكون إلى الأبواب . ومن صح توكله لم يلتفت إلى فوات حظه ، ولا إلى إصابته ، فيستوي فيه الأمران جميعا ؛ لأنه إنما توكل على ما سبق ، وسكن إليه ، وهو لا يدري ماذا قضى الله تعالى له : فوات حظه ، أو إصابته فأما من توكل لتحرز من فوت ما عنده أو نيل ما ليس عنده فليس بمتوكل على الحقيقة ، أو قد يجوز في قدر الله تعالى فوت ما عنده ، وحرمان ما ليس عنده ، ولا مرد لقضاء الله ، ولا راد لحكمه ، فسواء توكل أو تمسك بالسبب ، واختلط في الطلب ، ألا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما رزق الطير تغدو خماصا ، وتروح بطانا » ، ومعلوم أن الطير لا توكل لها ، ولكنها لا تلتفت إلى فوات أو نيل ، فقال : لو كنتم كذلك غير ملتفتين إلى الأسباب ولا متعلقين بها ، ولا مضطرين فيما تكفل لكم من أرزاقكم لأدركتم ما قسم لكم من غير حرث ، ولا زرع ، ولا تكلف ، فأما التحرز لدفع المضار والمكاره وحفظ الحظوظ ونيلها ، فإنها مأذون فيها غير مدعو إليها ، إلا ما كان فيها منفعة للأغيار ، وصونا للدين الوطني ، والدليل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في صفة السابقين قال : « هم الذين لا يرقون ، ولا يسترقون ، ولا يكوون ، ولا يكتوون ، وعلى ربهم يتوكلون » وقد رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلم المعاوذ ، وكوى سعد بن الربيع غير أنه قال : « لا تلومن في أبي أمامة » يعني سعد بن الربيع فكواه ، يعني : لأعزرن فيه ، فأخبر أن التوكل رفض هذه الأسباب ؛ لأن الرقى والكي إنما يستعملان رجاء العافية ، والمتوكل لا يبالي بالمرض والصحة ، وإنما يختار ما يكون ما لا يريد ، ويكون سكونه إلى ما سبق له من الله عز وجل من صحة ، أو مرض ، أو نيل ، أو فوات ، فإنها الأسباب التي جاء الترغيب فيها من المكاسب والحرف والتجارات ، فعلى شرط التعاون نصح ، والمتوكل يفعل هذه كلها لا يجتر بها نفعا إلى نفسه ، لكن لينفع الأغيار ، ويصون به عرضه ودينه . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « من طلب الدنيا حلالا استعفافا عن المسألة وسعيا على عياله ، وتعطفا على جاره لقي الله تعالى وجهه كالقمر ليلة البدر ، ومن طلبها حلالا مكاثرا مفاخرا لقي الله تعالى وهو عليه غضبان » فقد أخبر أن تناول الأسباب لصون الدين والعرض ، ونفع الغير ، فأما ما يتحرز به من الآفات فهو غير معول إليها إلا أنه مأذون فيها إلا ما يتحرز به من آفات الأغيار . وقوله صلى الله عليه وسلم : « قيد وتوكل » ، إنما قال له ذلك لأنه كان يريد التوكل ؛ لئلا تفوته فائتة ، وكان توكله لتحرز من الآفة لا سكون إلى المقدر ، فاحتاط له النبي صلى الله عليه وسلم بالتحرز ، فقال : قيد لتبلغ العذر في التحرز ، وتوكل لئلا تؤتى إن أتيت من جهة الخلاف ، وهو أن ترد إلى فعلك وتحرزك ، فيكون قد أحكمت من الوجهين جميعا ، وكذا الواجب على كل مستشار أن يحتاط إلى المستشير ، ويدل على أحكم الأمور ، وأوثق الأسباب ، وأبعدها عن مواضع التلف ؛ لأن المستشير طالب للأرفق به مؤثر له ، خائف من ضده ، لم يستكمل قوة التوكل والسكون إلى ما قدر له ، فهو كالمضطرب فيه . ألا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لكعب بن مالك : « أبق عليك بعض مالك » ، وقال لبلال : « أنفق بلال ، ولا تخش من ذي العرش إقلالا » ، وقال له لما خبأ له شيئا : « أما تخشى أن يخسف به في نار جهنم » ، وكان خبأ له شيئا من تمر ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان مستكمل التوكل ساكنا إلى ما له عند الله عز وجل غير مضطرب فيه ، ولا ملتفت إلى نفسه ، بل كان نظره إلى ما يريد الله به ، سواء كان فيه رفقه أو غيره ، وعلم من كعب بن مالك ميلا إلى رفقه وإيثارا لحظه ، فقال له : « أبق بعض مالك » لئلا يضطرب سره ، وكذلك عمرو بن أمية حين قال : أقيد وأتوكل ، كأنه قال : بأيهما أحتاط لنفسي بالقيد أو بالتوكل ؟ فقال : بكلا الأمرين ليتم سكونك ، ولا يضطرب سرك
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 109
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
