106 - قال : حدثنا حاتم بن عقيل ، قال : ح يحيى بن إسماعيل قال : ح يحيى الحماني قال : ح إسحاق وهو حازم بن الحسين الحميسي ، وفي بعض النسخ : الحمسي ، عن يزيد الرقاشي ، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « ما من قلب آدمي إلا وهو بين أصبعين من أصابع الله عز وجل ، فإذا شاء أن يثبته ثبته ، وإذا شاء أن يقلبه قلبه ، وإنما مثل القلب كمثل ريشة بأرض فلاة (1) في ريح عاصف ، تقلبها الرياح » قال الشيخ الإمام الزاهد المصنف رحمه الله : وصف النبي صلى الله عليه وسلم الرب بالأصابع ، كما وصف الله تعالى نفسه باليد ، والسمع ، والبصر ، فقامت الدلائل على أن يده وسمعه وبصره ليست بجوارح ، ولا أعضاء ، ولا أصابع ، ولا أجزاء ، إذ هو عز وجل واحد أحد صمد فرد بعيد عن أوصاف الحدث ، وعن شبه المخلوقين ، ليس كمثله شيء ، وهو السميع البصير ، فعلينا الإيمان به ، والوصف له بما وصف نفسه به ، ونفي أوصاف الحدث عنه ، وتنزيهه عن التشبيه ، والكيفية والدرك إلا من حيث الإقرار به والإيمان والتصديق له ، فكذلك ما وصفه به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإصبع ، فعلينا التسليم له ، وفي بعض النسخ : الإسلام له ، والإيمان به ، والتصديق على أنها صفة له على ما يستحقه ، ويليق به من غير كيفية ، ولا إدراك ، ولا تشبيه . أو هو صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق وأعرفهم وبأوصافه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أنا أعلمكم بالله عز وجل » ، وقال الله تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (2) ، فالإصبع صفة لله عز وجل ، ومن صفاته العدل ، والفضل ، فيجوز أن يكون معنى قوله : « بين أصبعين » أي : بين صفتين من صفات الله عز وجل ، ويعني الفضل والعدل ، وفي بعض النسخ : ويعني بالصفتين العدل والفضل لقوله : يقلبها ، فيكون التقليب عن حالتين مختلفتين ، وفي بعض النسخ : بين حالتين مختلفتين مرة إلى كذا ، ومرة إلى كذا ، كما قال في حديث آخر : « يقلبها الريح ظهرا لبطن ، فإذا قلب قلب عبد إلى هدى فهو فضل منه ، وإذا قلبه إلى ضلال فهو عدل منه » ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : « يا مقلب القلوب » ، ويسأله التثبيت ، فالله تعالى يقلب قلوب أعدائه بعدل ، والعدل صفة له ، فهو يقلب قلوبهم من حال إلى حال ، وكلها إرادة الشر بهم والضلال لقوله عز وجل أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم (3) ، فهو يجعل في قلوبهم المرض ، ويقلبها من المرض إلى الزيغ ، ومن الزيغ إلى الدين ، والدين إلى أن يجعلها في أكنة ، ومنها إلى الطبع ، ومن الطبع إلى الختم ، وذلك عدل منه ، وهو يضل من يشاء ، ويهدي من يشاء ، قال الله عز وجل في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا (4) ، وقال جل جلاله فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم (5) ، وقال عز وجل كلا بل ران على قلوبهم (6) ، وقال جل جلاله وجعلنا على قلوبهم أكنة (7) ، وقال جل جلاله بل طبع الله عليها بكفرهم (8) ، وقال عز وجل ختم الله على قلوبهم (9) ، فهو عز وجل يفعل ذلك بالمنافقين والكافرين دون المؤمنين المخلصين ، وله أن يفعل ما يشاء إذ هو المالك لهم ، ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد ، فعلى هذا يقلب قلوب أعدائه ، ومن سبق له من الله تعالى الشقاء فكفر وجحد وأشرك ونافق تعالى الله عن ظلم عباده علوا كبيرا ، ويقلب قلوب أوليائه بفضله من حال إلى حال إرادة الخير لهم ليهتدوا ويوفقوا ويزيدهم إيمانا ، قال الله تعالى ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم (10) ، وتثبيتا لهم ، كما قال الله عز وجل يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة (11) ، فقلوب أوليائه المؤمنين المخلصين الذين سبقت لهم منه الحسنى تتقلب بين الخوف والرجاء ، واللين والشدة ، والوجل والطمأنينة ، والقبض البسط ، والشوق والمحبة ، والأنس والهيبة ، والله تعالى يقلبها بفضله قال الله عز وجل الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم (12) ، وقال الله تعالى ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله (13) ، وقال الله تعالى أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى (14) ، وقال الله تعالى ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله (15) ، وقال الله تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب (16) ، وقال أفمن شرح الله صدره للإسلام (17) ، وقال الله تعالى والذين آمنوا أشد حبا لله (18) والله يقبض ويبسط ، يقبض قلوبهم بالخوف منه ، ويبسطها بالأنس به والذكر له ، فقلوب عباده تتقلب بين هاتين الصفتين العدل والفضل ، وهو يقلبها له الخلق والأمر بين الهدى والضلال ، ومنه التثبيت والإزالة ، له الحكم وإليه المصير ، وقلوب عامة المؤمنين تتقلب بين أحوال مختلفة بين يقين واضطراب ، وغفلة وتيقظ ، وسكون إلى الدنيا وميل إلى الآخرة ، مرة إلى هذا ، ومرة إلى هذا . قال عبد الله بن عباس رضي الله عنهما : إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب . وقال بعض الحكماء : ما من شيء أشد على العبد من حفظ القلب بين ما يجول حول العرش ، حتى تراه يجول حول الحش . وقال سهل بن عبد الله رحمة الله عليه : إنما على العبد ذم جوارحه ، وحفظ حدود الله ، وكف النفس عن شهواتها ، فإذا فعل ذلك حفظ الله تعالى قلبه ، وأصلح سره ، وفي بعض الروايات : من صلح برانيه أصلح الله تعالى جوانيه معناه : من أصلح ظاهره بذم جوارحه ، وحفظ حركاته ، أعانه الله تعالى على حفظ قلبه . وقال بعض الحكماء : استجلب نور القلب بدوام الحزن ، واستفتح باب الحزن بطول الذكر ، واطلب راحة البدن بإحجام القلب ، واطلب إحجام القلب بترك خلطاء السوء ، وقيل : موت القلب بالجهل ، وحياة القلب بالعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 106
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
