82 - حدثناه خلف بن محمد ، قال : ح صالح بن محمد قال : ح إسماعيل بن إبراهيم الترجماني قال : ح يوسف بن عطية الصفار قال : ح ثابت البناني ، عن أنس بن مالك ، رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي إذ استقبله شاب من الأنصار ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : « كيف أصبحت يا حارثة ؟ » فقال أصبحت مؤمنا بالله تعالى حقا قال : « انظر إلى ما تقول فإن لكل قول حقيقة » ، فقال : يا رسول الله عزفت نفسي عن الدنيا ، فأسهرت ليلي ، وأظمأت نهاري ، فكأني بعرش ربي بارزا ، وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعارون فيها ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : « أبصرت فالزم » ، وفي رواية : « أصبت فالزم ، عبد نور الله تعالى الإيمان في قلبه » ، فقال : يا رسول الله ادع الله تعالى لي بالشهادة ، فدعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنودي يوما في الخيل : يا خيل الله اركبي ، فكان أول فارس ركب ، وأول فارس استشهد ، فبلغ أمه ، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : أخبرني عن ابني ، فإن يك في الجنة فلن أبكي ، ولن أجزع ، وإن يكن غير ذلك بكيت ما عشت في الدنيا قال : « أم حارثة ، إنها ليست بجنة ، ولكنها جنة في جنان ، والحارثة في الفردوس الأعلى » ، فرجعت ، وهي تضحك ، وتقول : بخ بخ لك يا حارثة فأخبر في هذا الحديث أن من عمل بما علم نور الله تعالى قلبه ، ومن نور الله تعالى قلبه كوشف عن كثير من أحوال الغيب ، وعلم ما لم يتعلم من جهة اليقين فيما تعلم ، لا أنه يعلم أشياء من الأحكام ، وغيره من غير اجتهاد في تعلمه ، حتى يعلم القرآن ، وأخبار الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأحكام الدين من غير تعلم ، ليس كذلك ، ولكن يكاشف وينهتك الحجب بينه وبين كثير من أحوال الغيب ، فلا يتعرضه الشكوك ، ولا ينازعه الخواطر في الحق ، وبيانه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الحق ينطق على لسان عمر » ، فهذه أوصاف الكبراء ، ومن كان بهذه الصفة تجلى على قدر زمانه ، وفي بعض النسخ : « تجلى قدره على أهل زمانه ، فإنه يجالس في التوقير ، والإجلال ، والتعظيم ، وذم الجوارح ، ومراقبة الخواطر ، فإن أهل الصدق لهم نور ، يقفون على كثير من أحوال الناس . قال عبد الله بن محمد الأنطاكي : إذا جالستم أهل الصدق ، فجالسوهم بالصدق ؛ فإنهم جواسيس القلوب يدخلون في أسراركم ، ويخرجون من هممكم ، ومن جالسهم فلا يجب أن يتعرض عليهم في أحوالهم ، ولا يبادرون بشيء ، وفي بعض النسخ : » ولا يبادون « ، ولا ينكر عليهم حال ، ولكن يبصر عليهم حتى يكونوا هم الذين يكشفون لهم ما التبس عليهم من أحوالهم ، ألا يرى إلى ما قال العبد الصالح لموسى عليهما السلام فلا تسألني عن شيء حتى أحدث لك منه ذكرا (1) ، وإنما يجالس الكبراء في أوقات يكون منهم البداية والإذن ، ولا يداخلون كل وقت ، فإن أوقاتهم لهم فيما بينهم وبين الله تعالى لا يحملهم فيها غيره ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : » لي مع الله عز وجل وقت لا يسعني فيه غيره « ، هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم ، وحاله أرفع من أن يعلم ، أو يعبر عنه ، وأحوال سائر الكبراء على قدر ما يليق بهم ، إذا فهؤلاء يجالسون تبركا بهم ، وتيمنا بروائح أحوالهم ، فهم ملحاء المريدين ولهفتهم بهم ، يتحررون عن كثير مما يخافونه من فتن الزمان ، وشر أهله ، ومكائد العدو ، وبلاء النفوس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : » إن الشيطان ليفرق من ظل عمر « ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه جل جلاله : » هم القوم لا يشقى جليسهم « وقوله : » وخالط الحكماء « أي : داخلهم ، واختلط بهم ، وكن معهم في كل وقت ؛ فإن الحكيم هو المصيب في أقواله ، والمتقن لأفعاله ، والمحفوظ في أحواله ، فمن خالطهم وداخلهم أخذ محاسن أخلاقهم ، وانتفع بإصابتهم في أقوالهم ، وتهذب بهم في مختلف أحوالهم . وقوله : » سائل العلماء « تنبيه منه صلى الله عليه وسلم على إحكام الأمور وإصلاحها فيما بينك وبين الله تعالى ، وفيما بينك وبين خلق الله تعالى ، كأنه يقول : قدم العلم على العمل لتكون أعمالك على تقدمة العلم بها فتصح . وقوله : » سائل العلماء « ، لم يجعل له وقتا دون وقت كأنه يقول : كن أبدا عالما سائلا ومتعلما ، والعلماء إذا أطلقوا فهم الفقهاء ، لأن العلم إذا أطلق أريد به علم الفقه الذي هو علم الأحكام ، ومعرفة الحلال والحرام ، وأما سائر العلوم فإنها مقيد ؛ يقال : علم الكلام ، وعلم القرآن ، وعلم الحديث ، وعلم اللغة ، وكذلك جميع العلوم ، فإنها تقيد بذكر يخصه به ، وكذلك العلماء إذا أطلق كان المفهوم به الفقهاء ، فأما سائر العلماء كسائر العلوم ، فإنما يقال هذا قول المتكلمين ، وقال فيه المفسرون ، وكذا يقول اللغويون ، وقال النحويون ، وبه قرأ في القرآن ، ينسب أهل كل نوع من العلم إلى ما ينتحله ، فالعلماء اسم يختص به الفقهاء عند الإطلاق . فيجوز أن يكون قوله : سائل العلماء » أراد به ما قلناه من علم الأحكام ، فإن البلوى به أكثر ، والحاجة إليه آمن ، والله أعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 82
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
