58 - حدثنا حاتم بن عقيل ، قال : ح يحيى بن إسماعيل قال : ح يحيى الحماني قال : ح أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أتاكم أهل اليمن هم ألين قلوبا ، وأرق أفئدة ، الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ، ورأس الكفر قبل المشرق » قال الشيخ رحمه الله : وصفهم ـ صلى الله عليه وسلم ـ بلين القلوب ورقتها ، ثم نسب الإيمان والحكمة إليهم ، كأنه أخبر أن بناء الإيمان على الشفقة على خلق الله عز وجل ، والرقة عليهم ؛ إذ كان ذلك صفة من نسب الإيمان إليهم بقوله : « الإيمان يمان » . والحكمة هي : الإصابة لما يرضى به الله وما يحبه ، وترك ما يسخطه ويكرهه ، ولا ينال ذلك إلا برقة القلب وصفائه ، فيشهد فيه زواجر الحق ؛ لأن زواجر الله في قلب كل مؤمن ، فمن كان أصفى قلبا فإنه أحسن إدراكا لذلك الزاجر ، وأشد إصابة له ، لذلك نسب الحكمة إلى من رق قلبه ، ويكون ذكر القلب والفؤاد عبارة عن شيء واحد ، ويجوز أن يكون الفؤاد عبارة عن باطن القلب ؛ فإن الحكماء قالوا : الصدر خارج القلب ، والفؤاد داخله ، فوصف القلب باللين ، والشيء اللين ينثني وينعطف ، وهو التقلب ، وسمي القلب قلبا لأنه متقلب ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : إنما سمي القلب قلبا لأنه يتقلب ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « مثل القلب مثل ريشة بفلاة من الأرض تقلبها الرياح ظهرا لبطن » ، والمتقلب يتقلب إلى كذا ، فكأنه وصف أهل اليمن بأن قلوبهم ألين وأكثر تقلبا وتثنيا ، وأن تثنيها وانقلابها إلى الإيمان والحكمة أكثر منهما إلى غيرهما ؛ لأن أفئدتهم أرق فهي أكثر شهودا للغيب ؛ لأن الشيء الرقيق أنفذ في خلال الأشياء المانعة ، والحجب الساترة من الشيء الغليظ ، ومن خرق الحجب أدرك الإيمان وحقيقته ، والحكمة التي هي التكلم عن الله عز وجل . ويجوز أن يكون أشار بلين القلب أي : خفض الجناح ولين الجانب ، والانقياد والاحتمال وترك العلو والترفع ؛ لأن هذه الأفعال إنما تظهر ممن لان قلبه ، وهي أوصاف الظاهر ، وأشار برقة أفئدتهم إلى شفقتهم على الخلق ، والرحمة لهم ، والرأفة بهم ، والتعطف عليهم ، والنصح لهم ، وأن يحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم ، وهذه أوصاف الباطن ، فكأنه أشار إلى أنهم أحسن أخلاقا ظاهرا وباطنا ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : « أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا » فقوله : « الإيمان يمان » أي : أهل اليمن أكمل الناس إيمانا ، وتكون الحكمة من أوصاف من كمل إيمانه ويقينه ، ويجوز أن يكون وصفه لهم بلين القلوب إشارة إلى قبول الحق ؛ لأن أهل اليمن أجابوا إلى الإسلام بالدعوة دون المحاربة والقتال ، فقبلوا الحق للين قلوبهم ؛ لأن من قسا قلبه لا يقبل الحق وإن كثرت دلائله ، وقامت حججه ، وقال الله تعالى فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة (1) ، أخبر أن من قسا قلبه لا يرجع إلى الحق ، وإن ظهرت أعلامه ، والآيات إنما يعقلها من كانت صفته ضد صفة القاسية قلوبهم ، ولذلك نسب الإيمان إليهم ؛ لأنهم قبلوه من غير عنف ، ونسبهم إلى الحكمة ؛ لأن الحكمة هي الإصابة للحق ، فأصابوا الحق ، فآمنوا للين قلوبهم ومواتاتهم ، وقبولهم الحق . ويجوز أن يكون معنى قوله : « أرق أفئدة » إشارة إلى توسطهم في مشاهدات القلوب ، ومنازلات الأسرار ، وذلك أنهم قالوا : إن الفؤاد عين القلب ، فكأنه أشار إلى أن في نظرهم إلى أحوال الغيوب رقة ، وأنهم في هذه الصفة ليسوا بذلك ، وبذلك تشهد أحوالهم ، ويعرفها من شاهدهم ، كأنه أشار إلى أنهم في الأحوال الظاهرة أقوى منهم في الأحوال الباطنة ، والله تعالى أعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 58
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
