57 - قال النبي صلى الله عليه وسلم : « تحفة المؤمن الموت » حدثناه حاتم بن عقيل قال : ح يحيى بن إسماعيل قال : ح يحيى بن الحماني قال : ح ابن مبارك ، عن يحيى بن أيوب ، عن بكر بن عمرو ، عن عبد الرحمن بن زياد ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن عبد الله بن عمرو ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم « وفرحة عند لقاء ربه » ، وهو النظر إليه جل جلاله ؛ لأنه قال له : « أنا أجزي به » أي : أنا أجزيك النظر إلي ، لا أن يكون ذلك جزاء لعملك ، ولكني أجزيك فضلا ومنة ، والله أعلم . وقوله : « وخلوف فمه أطيب عند الله تعالى من ريح المسك » أي : من ريح المسك عند الخلق ، أي كما أنهم يحبون ريح المسك ويؤثرونه ويرضون به ويختارونه ، كذلك الله عز وجل يحب خلوف فم الصائم ويؤثره ويرضى به ويختاره . وقوله : « الصوم جنة » يجوز أن يكون جنة في الدنيا من المعاصي ، والسفه على الناس ، والغيبة لهم ، ومجازاة من أساء إليهم قولا وفعلا ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إن جهل على أحدكم جاهل وهو صائم ، فليقل إني صائم اليوم » ، معناه والله أعلم : أن لا يجازي به على جهله ، وليقل لنفسه إن طالبته مجازاته : إني صائم ، ولا ينبغي للصائم أن يجهل ويسفه ويمنعه عن الغيبة ، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة بأن يدع طعامه وشرابه » ، أخبر أن الصيام ترك ما ينهى الله تعالى عنه من قول وعمل ، وليس هو بترك الطعام والشراب قط ، فالصيام جنة تستره وتحول بينه وبين المعاصي ، وهو جنة في الآخرة من النار ، فيجوز أن لا يكون للناس سبيل على الصائم ، كما أنه لا سبيل لها على مواضع الوضوء من العبد ، لأن الصوم يعم جميع البدن ، فلا يكون للنار سبيل فهو له منها جنة ، والله أعلم . ومعنى آخر في تخصيص الصوم وهو أن في الصوم معنى الإعراض عن النفس طلبا لمرضاة الله ، والإعراض عن النفس ترك حظوظها ، وحظوظ النفس هو الطعام والشراب والرفث إلى النساء . فمن ترك هذه الأشياء ، فقد ترك حظوظ النفس وشهواتها ولذاتها ، ومن ترك ذلك فقد أعرض عن نفسه ، ومن أعرض عن نفسه ابتغاء وجه الله لم يبق بينه وبين الله حجاب ؛ لأن الحجب ثلاثة : الخلق ، والدنيا ، والنفس ، فالخلق والدنيا إنما يحجبان إذا كانا لحظ النفس ، فمن أعرض عن نفسه فقد أعرض عن الدنيا والخلق ، فحصل الصوم إعراضا عن النفس ، والإعراض عنها وصول إلى الله . فلذلك قال : « الصوم لي » ، وليس هذا المعنى في شيء من الفرائض غير الصوم والصلاة ؛ لأن وقت الصلاة وقت يسير ، فهو إذا فرغ منها رجع إلى جميع حظوظه ، ووقت الصوم يمتد ؛ لأنه من طلوع الفجر إلى غروب الشمس . وجملة الشرائع الإسلام والذي بني عليه الإسلام خمس : شهادة أن لا إله إلا الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت . وليس معنى الإعراض عن النفس على طول المدة إلا في الصوم ، الدليل على هذا قوله : « يدع طعامه وشهوته من أجلي » أخبر أن تركه طعامه وشهوته هو شيء لله ، لا لغيره ، والله تعالى أعلم
بحر الفوائد المشهور بمعاني الاخبار · Hadith 57
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
