2497) وَذكر من طَرِيق مُسلم عَن أنس قَالَ: " وَقت لنا فِي قصّ الشَّارِب، ونتف الْإِبِط، وَحلق الْعَانَة، أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة ". وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: وَقت لنا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، وَحَدِيث [مُسلم أَعلَى إِسْنَادًا، ثمَّ أتبعه رِوَايَة أُخْرَى عَن أنس، فَقَالَ: والصح [يح] فِي التَّوْقِيت. حَدِيث مُسلم رَحمَه الله. فَهُوَ - كَمَا ترى - قد رجح حَدِيث مُسلم على] حَدِيث التِّرْمِذِيّ من جِهَة الْإِسْنَاد، لَا من جِهَة مُسلم وَأبي عِيسَى أَنفسهمَا، وَهَذَا لَو عناه كَانَ بَاطِلا، فَإِنَّهُمَا لم يتعارض مَا روياه، بل نقبل من الْحَافِظ مَا زَاد مِمَّا لم يحفظ غَيره. وَالتِّرْمِذِيّ أحد الْأَئِمَّة الْحفاظ المتقنين، وَقد جهل من جَهله كَمَا اعترى أَبَا مُحَمَّد بن حزم فِيهِ، وَقد شهد لَهُ بِالْإِمَامَةِ - زِيَادَة إِلَى مَا يعرف النَّاس من حَاله - جمَاعَة مِمَّن عرض لذكر أَمْثَاله. وَذكره فِي جملَة الْأَئِمَّة الدَّارَقُطْنِيّ، وَأَبُو عبد الله بن الرّبيع، وَغَيرهمَا. وَإِذا لم يَصح لَهُ أَن يكون هَذَا معنيه، فقد عري كَلَامه من الْمَعْنى وخلا من الْفَائِدَة. وَإسْنَاد الحَدِيث عِنْد الْإِمَامَيْنِ وَاحِد، فَلَا معنى لقَوْله: إِن حَدِيث مُسلم أَعلَى إِسْنَادًا. قَالَ مُسلم: حَدثنَا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن جَعْفَر، قَالَ يحيى: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن أبي عمرَان الْجونِي، عَن أنس بن مَالك قَالَ: " وَقت لنا فِي قصّ الشَّارِب، وتقليم الأظافر، ونتف الْإِبِط، وَحلق الْعَانَة: أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ لَيْلَة ". فَهَذَا مُسلم قد قرن بَين يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد، وَلم يتخل عَن قُتَيْبَة، بل أورد الحَدِيث عَنْهُمَا، وَأخْبر أَن يحيى يَقُول: حَدثنَا، فأردنا أَن نَعْرِف زِيَادَة التِّرْمِذِيّ فَإِذا بِهِ قد قَالَ: حَدثنَا قُتَيْبَة، حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان، عَن أبي عمرَان الْجونِي، عَن أنس بن مَالك قَالَ: " وَقت لنا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي قصّ الشَّارِب، وتقليم الْأَظْفَار، وَحلق الْعَانَة، ونتف الْإِبِط أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا ". فَهَذَا هُوَ إِسْنَاد مُسلم، وَفِيه أَن قُتَيْبَة قَالَ: حَدثنَا، كَمَا قَالَه يحيى بن يحيى، على أَنه لَا يعرف لَهُ تَدْلِيس، فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَن يلْتَمس مِنْهُ أَن يَقُول: حَدثنَا. فَلم يبْق لقَوْله: " حَدِيث مُسلم أَعلَى إِسْنَادًا " معنى، إِلَّا أَن يكون من جِهَة تَفْضِيل مُسلم على التِّرْمِذِيّ. فَإِن قيل: وَلَعَلَّه اعْتقد أَن مُسلما قد أعرض عَن قُتَيْبَة بعد أَن قَالَ: [قَالَ يحيى: حَدثنَا جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَأعْرض عَن يحيى وَرَأى] أَن الْخلاف فِيهِ بِذكر [قُتَيْبَة، الَّذِي عين من وَقت ذَلِك، وأبهمه جَعْفَر، وَهَذَا خلاف فِيهِ بَين] يحيى وقتيبة، ثمَّ رجح يحيى على قُتَيْبَة. فَالْجَوَاب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا أَن الرجلَيْن ثقتان، وَإِن كَانَ التَّفْضِيل؛ فقتيبة فَوق يحيى بن يحيى، وَيعرف ذَلِك من تتبع أنباءهما فِي موَاضعهَا. وَالْوَجْه الآخر: أَن هَذَا لَا يُمكن أَن يحمل الْأَمر عَلَيْهِ، فَإِن مُسلما لم يعرض عَن قُتَيْبَة، وَلَو كَانَ هَذَا، لم يكن مَا قلت إِلَّا بعد الْحمل على مُسلم بِأَنَّهُ علم أَن رِوَايَة قُتَيْبَة مُصَرح فِيهَا بِذكر النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَلم يبين ذَلِك، وَسوى بَين رِوَايَته وَرِوَايَة يحيى الَّتِي لم يذكر فِيهَا النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -. فَإِن قيل: نفرض أَن عَن قُتَيْبَة رِوَايَتَيْنِ: إِحْدَاهمَا: رِوَايَة مُسلم: " وَقت لنا ". وَالْأُخْرَى رِوَايَة التِّرْمِذِيّ: " وَقت لنا رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَن لَا نَتْرُك " إِلَّا أَن رِوَايَة مُسلم عَن قُتَيْبَة، رُوِيَ مثلهَا عَن يحيى بن يحيى، فَكَانَت رِوَايَة " وَقت لنا أَن نَتْرُك " أرجح؛ لِأَنَّهَا رَوَاهَا يحيى بن يحيى وقتيبة. فَالْجَوَاب أَن نقُول: إِن كَانَ هَكَذَا، فقتيبة قد روى: " وَقت لنا أَن لَا نَتْرُك "، فَاحْتمل الْمُؤَقت أَن يكون النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، أَو يكون غَيره، وروى لنا هُوَ نَفسه التَّفْسِير بِأَنَّهُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فَيجب أَن نقبل مِنْهُ ذَلِك كُله، وَلَا نرجح رِوَايَة على الْأُخْرَى، وَالله أعلم.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 2497
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
