2394) وَذكر من طَرِيق أبي عمر من التَّمْهِيد، من بَاب جَعْفَر، عَن حَبِيبَة بنت أبي تجراة الشيبية قَالَت: " رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يطوف بَين الصَّفَا والمروة، وَالنَّاس بَين يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يسْعَى، حَتَّى أرى رُكْبَتَيْهِ من شدَّة السَّعْي، وَهُوَ يَقُول: سعوا فَإِن الله كتب عَلَيْكُم السَّعْي ". رَوَاهُ عبد الله بن المؤمل، وَتفرد بِهِ، وَقَالَ أَبُو عمر فِيهِ] : كَانَ سيئ الْحِفْظ [، وَلَا تعلم لَهُ خربة تسْقط عَدَالَته. انْتهى كَلَامه. وَهُوَ مِنْهُ] تَصْحِيح للْحَدِيث الْمَذْكُور بتصحيح أبي عمر لَهُ. وَهُوَ لَا يَصح، وَأول مَا نبدأ بِهِ من بَيَان أمره أَن هَذَا اللَّفْظ الَّذِي أورد من التَّمْهِيد، هُوَ فِي التَّمْهِيد مُنْقَطع الْإِسْنَاد بِسُقُوط وَاحِد، ويتصل بِثُبُوتِهِ من جِهَة أُخْرَى، وَلَكِن بِلَفْظ خلاف هَذَا اللَّفْظ الَّذِي أورد، وَهُوَ مَعَ ذَلِك من كل طرقه لَا يَصح، لِأَنَّهُ دائر على عبد الله بن المؤمل المَخْزُومِي، قَاضِي مَكَّة، وَهُوَ - وَإِن كَانَ قد وَثَّقَهُ ابْن معِين فِي بعض الرِّوَايَات عَنهُ - ضَعِيف. وعلته شَيْئَانِ: أَحدهمَا: سوء الْحِفْظ، وَالْآخر: نَكَارَة الحَدِيث، ونكارة الحَدِيث كَافِيَة فِي إِسْقَاط الثِّقَة بِمن جربت عَلَيْهِ. حكى الْعقيلِيّ عَن أَحْمد أَنه قَالَ: أَحَادِيثه مَنَاكِير. وَقَالَ أَبُو حَاتِم البستي: كَانَ قَلِيل الحَدِيث، مُنكر الرِّوَايَة، ثمَّ ذكر مِمَّا يُنكر عَلَيْهِ أَحَادِيث. وَكَذَلِكَ فعل أَبُو أَحْمد بن عدي، وَذكر من جملَة مَا يُنكر عَلَيْهِ هَذَا الحَدِيث، قَالَ: وَبِه يعرف، قَالَ: وَعَامة حَدِيثه الضعْف عَلَيْهِ بَين. وكل مَا ذكر لَهُ من الحَدِيث قَالَ فِيهِ: غير مَحْفُوظ - يَعْنِي لغيره -. وَأما كَلَام أبي عمر بن عبد الْبر الَّذِي اخْتَصَرَهُ أَبُو مُحَمَّد، وَاعْتَمدهُ فَإِن نَصه فِي مَوْضِعه هُوَ هَذَا: فَإِن قَالَ قَائِل: إِن عبد الله بن المؤمل لَيْسَ مِمَّن يحْتَج بحَديثه لضَعْفه، وَقد انْفَرد بِهَذَا الحَدِيث، قيل لَهُ: هُوَ سيئ الْحِفْظ، فَلذَلِك اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَة عَنهُ، وَمَا علمنَا لَهُ جرحة تسْقط عَدَالَته وَقد روى عَنهُ جمَاعَة من جلة الْعلمَاء، وَفِي ذَلِك مَا يرفع من حَاله، وَالِاضْطِرَاب عَنهُ لَا يسْقط حَدِيثه، لِأَن الِاخْتِلَاف على ألأئمة كثير، وَلم يقْدَح ذَلِك فِي روايتهم، وَقد اتّفق شَاهِدَانِ عَدْلَانِ عَلَيْهِ، وهما: الشَّافِعِي، وَأَبُو نعيم، وَلَيْسَ من لم يحفظ وَلم يقم، حجَّة على من أَقَامَ وَحفظ. انْتهى كَلَام ابْن عبد الْبر. [.....] فَلذَلِك [ ... .] وَحين قَالَ: وَالِاضْطِرَاب عَنهُ لَا يسْقط حَدِيثه، لِأَن الِاخْتِلَاف على الْأَئِمَّة كثير إِلَى آخِره أعطي نقيض ذَلِك، وَجعل الِاضْطِرَاب فِيمَا روى عَنهُ من رُوَاته لَا مِنْهُ، وَالْحق فِي أمره أَنه - لسوء حفظه - اضْطِرَاب مَا رُوِيَ عَنهُ، فلنبين مَا عَنهُ فِي هَذَا الحَدِيث. رَوَاهُ عَنهُ سُرَيج بن النُّعْمَان - وَهُوَ ثِقَة - فَقَالَ عَنهُ: عَن عَطاء، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن حَبِيبَة بنت أبي تجراة، قَالَت: رَأَيْت رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فَذكرت اللَّفْظ الْمَذْكُور، وَهَذَا هُوَ إِسْنَاده، رَوَاهُ عَن سُرَيج بن النُّعْمَان أَبُو بكر ابْن أبي خَيْثَمَة، وَعَن ابْن أبي خَيْثَمَة قَاسم بن أصبغ، وَفِيه انْقِطَاع كَمَا قُلْنَاهُ، وَذَلِكَ مُبين فِي كتاب التَّمْهِيد بتبيين أبي عمر نَفسه، وَأعْرض عَنهُ أَبُو مُحَمَّد، وَذَلِكَ أَنه قَالَ: هَكَذَا قَالَ: " عَن عبد الله بن المؤمل "، عَن عَطاء وَبَينهمَا فِي هَذَا الحَدِيث عمر بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَيْصِن السَّهْمِي. ثمَّ أورد كَذَلِك رِوَايَة أبي نعيم، عَن عبد الله بن المؤمل، عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن السَّهْمِي، عَن عَطاء، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن حَبِيبَة بنت أبي تجرأة - امْرَأَة من أهل الْيمن - قَالَت: " لما سعى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَين الصَّفَا والمروة، دَخَلنَا فِي دَار آل أبي حُسَيْن فِي نسْوَة من قُرَيْش، فَرَأَيْت النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يسْعَى فِي بطن الْوَادي، وَهُوَ يَقُول: اسْعوا فَإِن الله كتب عَلَيْكُم السَّعْي ". هَذَا هُوَ اللَّفْظ الَّذِي اتَّصل عِنْده سَنَده، وَأَبُو مُحَمَّد إِنَّمَا سَاق اللَّفْظ الَّذِي إِسْنَاده مُنْقَطع بِسُقُوط ابْن مُحَيْصِن مِنْهُ بَين ابْن مُؤَمل وَعَطَاء. وَفِي هَذَا الْمُتَّصِل وهم نبه عَلَيْهِ أَيْضا أَبُو عمر نَفسه، وَهُوَ قَوْله: " امْرَأَة من أهل الْيمن ". قَالَ أَبُو عمر: قَول أبي نعيم: امْرَأَة من أهل الْيمن لَيْسَ بِشَيْء، قَالَ: وَالصَّوَاب مَا قَالَ الشَّافِعِي. ثمَّ أورد رِوَايَة الشَّافِعِي من طَرِيق الطَّحَاوِيّ، قَالَ: حَدثنَا الْمُزنِيّ، حَدثنَا الشَّافِعِي، أخبرنَا عبد الله بن المؤمل العائدي، عَن عمر بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَيْصِن، [عَن عَطاء بن أبي رَبَاح، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، قَالَت: أَخْبَرتنِي ابْنة أبي تجراة، إِحْدَى نسَاء بني عبد الدَّار، قَالَت: " دخلت مَعَ نسْوَة من قُرَيْش دَار أبي حُسَيْن] نَنْظُر إِلَى رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ يسْعَى " الحَدِيث. قَالَ أَبُو عمر: وَذكره أَبُو بكر بن أبي شيبَة فَأَخْطَأَ فِي إِسْنَاده، وَهُوَ، أَو مُحَمَّد بن بشر فِي موضِعين: أَحدهمَا أَنه جعل بدل ابْن مُحَيْصِن عبد الله بن أبي حُسَيْن، وَالْآخر أَنه أسقط صَفِيَّة بنت شيبَة. كَذَا قَالَ أَبُو عمر، وَعِنْدِي أَن الْخَطَأ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ من عبد الله بن المؤمل، فَإِن مُحَمَّد بن بشر رِوَايَة عَنهُ ثِقَة، وَابْن أبي شيبَة إِمَام، وَعبد الله بن المؤمل، يحْتَمل - بِسوء حفظه - أَن يحمل عَلَيْهِ، وَقد ظهر اضطرابه فِي هَذَا الحَدِيث. وَعنهُ أَيْضا فِيهِ خطأ آخر، رَوَاهُ عَنهُ مُحَمَّد بن سِنَان العوقي، وَذَلِكَ أَنه قَالَ فِيهِ، عَن عبد الله بن المؤمل أَن الطّواف الْمَذْكُور كَانَ حول الْبَيْت، وَأسْقط من الْإِسْنَاد عَطاء. ذكره أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أَيُّوب، قَالَ: أخبرنَا مُحَمَّد بن سِنَان العوقي، أخبرنَا عبد الله بن المؤمل، قَالَ: أخبرنَا عمر بن عبد الرَّحْمَن بن مُحَيْصِن السَّهْمِي، عَن صَفِيَّة بنت شيبَة، عَن امْرَأَة يُقَال لَهَا: حَبِيبَة بنت أبي تجراة، قَالَت: " دخلت الْمَسْجِد أَنا ونسوة معي من قُرَيْش، قَالَت: وَالنَّبِيّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يطوف بِالْبَيْتِ، قَالَت: إِنَّه ليسعى حَتَّى إِنِّي لأرثي لَهُ وَهُوَ يَقُول لأَصْحَابه: اسْعوا فَإِن الله كتب عَلَيْكُم السَّعْي ". كل هَذَا الَّذِي ذَكرْنَاهُ ذكره أَبُو عمر، قَالَ: وَالصَّحِيح فِي إِسْنَاده وَمَتنه مَا ذكر الشَّافِعِي، وَأَبُو نعيم، إِلَّا قَول أبي نعيم: " من أهل الْيمن "، فَلَيْسَ بِشَيْء. قلت: وَقد روى يُوسُف بن مُحَمَّد، ومعاذ بن هَانِئ، عَن عبد الله بن المؤمل مثل رِوَايَة الشَّافِعِي، وَذكر ذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ. فَهَذَا الِاضْطِرَاب بِإِسْقَاط عَطاء تَارَة، وَابْن مُحَيْصِن أُخْرَى، وَصفِيَّة بنت شيبَة أُخْرَى، وإبدال ابْن مُحَيْصِن بِابْن أبي حُسَيْن أُخْرَى، وَجعل الْمَرْأَة عبدرية تَارَة، وَمن أهل الْيمن أُخْرَى، وَفِي الطّواف تَارَة وَفِي السَّعْي [بَين الصَّفَا والمروة أُخْرَى من عبد الله بن المؤمل هُوَ دَلِيل على سوء حفظه وَقلة ضَبطه. و] مَا عهد [من أبي مُحَمَّد، هُوَ رد رِوَايَات ابْن المؤمل.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 2394
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
