2389) وَذكر فِي آخر كتاب الجنائزمن عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " موت الْغَرِيب شَهَادَة ". ثمَّ قَالَ: ذكره فِي كتاب الْعِلَل فِي حَدِيث ابْن عمر وَصَححهُ. انْتهى مَا أورد. وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا القَوْل، لِأَن كتاب الْعِلَل للدارقطني لم يصنف فِيهِ علل حَدِيث ابْن عَبَّاس فِي جمَاعَة من مشاهير الصَّحَابَة، تَركهم أَيْضا، أَو لم ينْتَه إِلَيْهِم عمله فِي التَّأْلِيف الْمَذْكُور. فَلَو ذكر أَبُو مُحَمَّد حَدِيث ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، ويعزوه إِلَى علل الدَّارَقُطْنِيّ، أوقع قارئه فِي حيرة، إِن هُوَ أَرَادَ الْوُقُوف على إِسْنَاده فِي الْموضع الَّذِي نَقله مِنْهُ، وَعَزاهُ إِلَيْهِ، فَلذَلِك بَين أَنه ذكره فِي حَدِيث ابْن عمر - يَعْنِي أَنه عرض لَهُ - فِي خلال أَحَادِيث ابْن عمر ذكره. وَقد كتبنَا فِي بَاب [الْأَحَادِيث الَّتِي أوردهَا على أَنَّهَا مُتَّصِلَة، وَهِي مُنْقَطِعَة أَو مَشْكُوك فِي اتصالها جملَة] أَحَادِيث، سَاقهَا أَبُو مُحَمَّد من هَذَا الْكتاب: كتاب الْعِلَل للدارقطني، وَبينا هُنَاكَ أَن جَمِيعهَا مُنْقَطع، لِأَن الْكتاب الْمَذْكُور لَيست الْأَحَادِيث فِيهِ موصلة الْأَسَانِيد، فَخفت لِكَثْرَة مَا مر فِي ذَلِك الْبَاب من هَذَا النَّوْع أَن يظنّ قَارِئ هَذَا الْموضع أَن حَدِيث ابْن عَبَّاس هَذَا أَيْضا هُوَ من ذَلِك الْقَبِيل عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ، أَعنِي مِمَّا لم يُوصل بِهِ إِسْنَاده فِي الْكتاب الْمَذْكُور. وَلَيْسَ الْأَمر فِيهِ كَذَلِك، بل هُوَ عِنْده موصل الْإِسْنَاد. وإيراد الْموضع بنصه يبين هَذَا، وَيبين أَيْضا مَا قصدنا الْآن بَيَانه من أَنه لَيْسَ بِصَحِيح، وَمن أَن الدَّارَقُطْنِيّ لم يُصَحِّحهُ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي الْكتاب الْمَذْكُور: وَسُئِلَ عَن حَدِيث يرْوى عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " موت الْغَرِيب شَهَادَة " فَقَالَ: يرويهِ عبد الْعَزِيز ابْن أبي رواد، وَاخْتلف عَنهُ، فَرَوَاهُ هُذَيْل بن الحكم، وَاخْتلف عَنهُ، حدث بِهِ يُوسُف بن مُحَمَّد الْعَطَّار، عَن مَحْمُود بن عَليّ، عَن هُذَيْل بن الحكم عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، وَالصَّحِيح مَا حدّثنَاهُ إِسْمَاعِيل الْوراق، حَدثنَا حَفْص بن عمر، وَعمر بن شبة قَالَا: حَدثنَا الْهُذيْل بن الحكم، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس أَن النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " موت الْغَرِيب شَهَادَة " انْتهى مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ بنصه. والآن انْتَهَيْت إِلَى بَيَان مَا قصدت بَيَانه، فَأَقُول - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق -. إِن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح، وَلم يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ كَمَا زعم أَبُو مُحَمَّد، وَإِنَّمَا ذكر الِاخْتِلَاف الَّذِي اخْتلفُوا فِيهِ على الْهُذيْل بن الحكم، فصحح عَنهُ قَول من قَالَ فِيهِ: عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، وَحكم لَهُ على من قَالَ فِيهِ: عَنهُ، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر. وَبَقِي هَل هُوَ صَحِيح من الْهُذيْل بن الحكم إِلَى النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - لم يعرض لذَلِك الدَّارَقُطْنِيّ، [لِأَن الْهُذيْل بن الحكم الْمَذْكُور ضَعِيف، وَلَا يُمكن أَن يُصَحِّحهُ الدَّارَقُطْنِيّ] أَو غَيره. [وَأَبُو الْمُنْذر الْمَذْكُور، ضَعِيف قَالَ فِيهِ البُخَارِيّ: مُنكر الحَدِيث، وَهُوَ الْقَائِل عَن نَفسه فِي كِتَابه الْأَوْسَط: كل] من قلت فِيهِ: مُنكر الحَدِيث فَلَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ. وَقد ذكره فِي جملَة الضُّعَفَاء أَبُو جَعْفَر الْعقيلِيّ، وَحكى قَول البُخَارِيّ فِيهِ، وَزَاد أَنه لَا يُقيم الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو حَاتِم البستي: إِنَّه مُنكر الحَدِيث جدا وَلَا يعرف هَذَا الحَدِيث إِلَّا بِهِ، وَمن طَرِيقه. وَأَبُو مُحَمَّد - رَحمَه الله - اعتراه فِيهِ أحد أَمريْن: إِمَّا أَن يكون لم يتثبت فِي كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ: " وَالصَّحِيح مَا حَدثنَا فلَان " فاعتقده تَصْحِيحا للْحَدِيث، وَلم يبْحَث عَنهُ. وَإِمَّا أَن يكون علم من أَمر هُذَيْل بن الحكم الْمَذْكُور، أَن أَبَا مُحَمَّد بن حَاتِم - وَهُوَ ملجؤه فِي التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح - قد ذكره برواته من فَوق وَمن أَسْفَل، وَأَهْمَلَهُ من التَّعْدِيل وَالتَّجْرِيح، فَحمل الْأَمر على مَا عهد مِنْهُ فِي أَمْثَاله من قبُول رِوَايَات من روى عَن أحدهم أَكثر من وَاحِد، فصحح الحَدِيث لأجل ذَلِك، فَلم يذكر لَهُ عِلّة، وَحمل كَلَام الدَّارَقُطْنِيّ على مَا ذهب إِلَيْهِ، فأساء النَّقْل عَنهُ. وَقد بَينا قبل ونبين الْآن أَن أَبَا مُحَمَّد بن أبي حَاتِم إِنَّمَا أهمل هَؤُلَاءِ من الْجرْح وَالتَّعْدِيل، لِأَنَّهُ لم يعرفهُ فيهم، فهم عِنْده مجهولو الْأَحْوَال، بَين ذَلِك عَن نَفسه فِي أول كِتَابه. وهم على قسمَيْنِ: قسم لم يرو عَن أحدهم إِلَّا وَاحِد، فَهَذَا لَا تقبل رواياته، وَقسم روى عَن أحدهم أَكثر من وَاحِد، فَهَؤُلَاءِ هم المساتير الَّذين اخْتلف فِي قبُول رواياتهم. فطائفة من الْمُحدثين تقبل رِوَايَة أحدهم، اعْتِمَادًا على مَا يثبت من إِسْلَامه بِرِوَايَة عَدْلَيْنِ عَنهُ شَرِيعَة من الشَّرَائِع، وَمَا عهدناهم يروون الدَّين وَالشَّرْع إِلَّا عَن مُسلم، وهم لَا يَبْتَغُونَ فِي الشَّاهِد والراوي مزيداً على إِسْلَامه، بل يقبلُونَ مِنْهُ مَا لم تتبين جرحة، فَيعْمل بحسبها. وَطَائِفَة ردَّتْ رِوَايَات هَذَا النَّوْع، وهم الَّذين يَلْتَمِسُونَ فِي الشَّاهِد والراوي مزيداً على إِسْلَامه، وَهُوَ الْعَدَالَة، فَمَا [أرى أَبَا مُحَمَّد: عبد الْحق إِلَّا أَنه ذهب مَذْهَب] الطَّائِفَة [الَّتِي لَا تبغي على الْإِسْلَام مزيداً فِي حق الشَّاهِد والراوي، واعتقد فِي الْهُذيْل] بن الحكم أَنه مِنْهُم، وَلم يختبر حَاله، وَلَا سمع قَول البُخَارِيّ الَّذِي اختبرها، وَقَول غَيره: إِنَّه مُنكر الحَدِيث. وَلَزِمَه سوء النَّقْل، فِيمَا عزا إِلَى الدَّارَقُطْنِيّ من تَصْحِيحه الْخَبَر الْمَذْكُور وَهُوَ لم يفعل، وَإِنَّمَا صحّح عَن الْهُذيْل أحد الْقَوْلَيْنِ عَنهُ، هَذَا هُوَ الَّذِي تشاغل بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ من هَذَا الحَدِيث فَقَط، وَهُوَ الَّذِي تشاغل بِهِ غَيره من أمره، نذْكر بعض ذَلِك تأنيساً بِهَذَا الْمِقْدَار. قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي - بعد أَن ذكر حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث ابْن عمر بأسانيدهما، وَذكر من رَوَاهُ عَن الْهُذيْل بن الحكم، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، وهم جمَاعَة، وَمن رَوَاهُ عَن الْهُذيْل بن الحكم، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، وَهُوَ مُحَمَّد بن صدران: لَا أَدْرِي من أَخطَأ فِيهِ، يَعْنِي فِي رِوَايَة من قَالَ: نَافِع، عَن ابْن عمر، والذيل بن الحكم يعرف بِهَذَا الحَدِيث. انْتهى كَلَامه. وَفِيه مَا قُلْنَاهُ: من تَشَاغُله من أمره بتخطئة من جعله عَن نَافِع، عَن ابْن عمر. وَإِذ قد انتهينا إِلَى هُنَا، فلننبه على مَوضِع للْحَدِيث الْمَذْكُور، تكون نسبته إِلَيْهِ أشرف، إِذْ كتاب علل الدَّارَقُطْنِيّ غير موصل الْأَحَادِيث كَمَا قُلْنَاهُ. قَالَ عَليّ بن عبد الْعَزِيز فِي منتخبه: حَدثنَا مُحَمَّد بن كثير الْعَبْدي، قَالَ: أخبرنَا الْهُذيْل بن الحكم أَبُو الْمُنْذر، قَالَ: حَدثنَا عبد الْعَزِيز بن أبي رواد، عَن عِكْرِمَة، عَن ابْن عَبَّاس، قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " موت الْغَرِيب شَهَادَة ". وَقد رُوِيَ من طَرِيق أبي هُرَيْرَة، وَلَا يَصح أَيْضا. قَالَ الْعقيلِيّ: حَدثنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر بن برين، قَالَ: حَدثنَا عبد الرَّحْمَن ابْن نَافِع، قَالَ: حَدثنَا أَبُو رَجَاء الخرساني: عبد الله بن الْفضل، عَن هِشَام ابْن حسان، عَن مُحَمَّد بن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " موت الْغَرِيب شَهَادَة ". قَالَ الْعقيلِيّ: أَبُو رَجَاء مُنكر الحَدِيث، وَفِي هَذَا رِوَايَة [من غير وَجه، شَبيه بِهَذَا فِي الضعْف. انتهي كَلَام الْعقيلِيّ] ، وَالله الْمُوفق.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 2389
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
