462) وَذكر حَدِيث أبي حميد السَّاعِدِيّ، فِي وَصفه صَلَاة رَسُول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي عشرَة من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -، فيهم أَبُو قَتَادَة، وَفِيه الْمُخَالفَة بَين الجلوسين فِي الصَّلَاة، فَفِي الأولى: " جلس على رجله الْيُسْرَى، وَفِي الْأُخْرَى [فِي الآخر] جلس على الأَرْض " من رِوَايَة مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء، قَالَ: سَمِعت أَبَا حميد فَذكره. وَهُوَ عِنْده / صَحِيح مُتَّصِل، وَهُوَ من رِوَايَة عبد الحميد بن جَعْفَر، عَن مُحَمَّد بن عَمْرو، وَجُمْلَة أمره أَنه من أهل الصدْق. وَوَثَّقَهُ يحيى بن سعيد وَابْن حَنْبَل وَابْن معِين وَأخرج لَهُ مُسلم، وَضَعفه يحيى بن سعيد فِي رِوَايَة عَنهُ، وَكَانَ الثَّوْريّ يحمل عَلَيْهِ من أجل الْقدر وَزَعَمُوا أَنه مِمَّن خرج مَعَ مُحَمَّد بن عبد الله بن حسن بن حسن. فلأجل هَذَا من حَاله، يجب التثبت فِيمَا روى من قَوْله فِي هَذَا الحَدِيث: فيهم أَبُو قَتَادَة، فَإِن أَبَا قَتَادَة، توفّي زمن عَليّ رَضِي الله عَنهُ، وَهُوَ صلى عَلَيْهِ، وَهُوَ مِمَّن قتل مَعَه، وَسن مُحَمَّد بن عَمْرو مقصرة عَن إِدْرَاك ذَلِك. وَقد قيل فِي وَفَاة أبي قَتَادَة غير هَذَا، من أَنه توفّي سنة أَربع وَخمسين، وَلَيْسَ ذَلِك بِصَحِيح، بل الصَّحِيح مَا ذَكرْنَاهُ، وَقتل عَليّ رَضِي الله عَنهُ سنة أَرْبَعِينَ. وَقد ذكر هَذَا الَّذِي قُلْنَاهُ، أَبُو جَعْفَر الطَّحَاوِيّ قَالَ: وَالَّذِي زَاد مُحَمَّد ابْن عَمْرو، غير مَعْرُوف وَلَا مُتَّصِل، لِأَن فِي حَدِيثه أَنه حضر أَبُو حميد وَأَبا قَتَادَة. ووفاة أبي قَتَادَة قبل ذَلِك بدهر طَوِيل، لِأَنَّهُ قتل مَعَ عَليّ، وَصلى عَلَيْهِ، فَأَيْنَ سنّ مُحَمَّد بن عَمْرو من هَذَا؟ وَيزِيد هَذَا الْمَعْنى تَأْكِيدًا أَن عطاف بن خَالِد، روى هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: نَبَّأَنِي مُحَمَّد بن عَمْرو بن عَطاء، قَالَ نَبَّأَنِي رجل أَنه وجد عشرَة من أَصْحَاب النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جُلُوسًا، فَذكر نَحْو حَدِيث أبي عَاصِم. وعطاف بن خَالِد أَبُو صَفْوَان / الْقرشِي، مدنِي، لَيْسَ بِدُونِ عبد الحميد ابْن جَعْفَر وَإِن كَانَ البُخَارِيّ قد حكى أَن مَالِكًا لم يحمده فَإِن ذَلِك لَا يضرّهُ، إِذْ لم يكن ذَلِك من مَالك بِأَمْر مُفَسّر يجب لأَجله ترك رِوَايَته. وَقد اعْترض مَالِكًا فِي ذَلِك الطَّبَرِيّ بِمَا ذَكرْنَاهُ: من عدم تَفْسِير الجرحة، وبأمر آخر لَا نرَاهُ صَوَابا، وَهُوَ أَن قَالَ: " وَحَتَّى وَلَو كَانَ مَالك قد فسر، لم يجب أَن نَتْرُك بتجريحه رِوَايَة عطاف، حَتَّى يكون مَعَه مجرح آخر ". وَإِنَّمَا لَا نرى هَذَا صَوَابا لوَجْهَيْنِ: أَحدهمَا أَن هَذَا الْمَذْهَب لَيْسَ بِصَحِيح، بل إِذا جرح وَاحِد بِمَا هُوَ جرحة قبل، فَإِنَّهُ نقل مِنْهُ لحَال سَيِّئَة تسْقط بهَا الْعَدَالَة، وَلَا يحْتَاج فِي النَّقْل إِلَى تعدد الروَاة. وَالْوَجْه الثَّانِي / هُوَ أَن غير مَالك قد وجد عَنهُ أَيْضا مثل مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك فِيهِ، وَهُوَ ابْن مهْدي، فَإِنَّهُ ذهب إِلَى عطاف فَلم يرضه وَالَّذِي يرد بِهِ هَذَا، هُوَ مَا رد بِهِ مَا ذهب إِلَيْهِ مَالك فِيهِ: من كَونه لم يُفَسر مَا زهده فِيهِ، فَلَو قبلنَا مِنْهُ هَذَا، كُنَّا قد قلدناه فِي رَأْي لَا رِوَايَة. وَغير مَالك وَابْن ومهدي يوثق عطافا، روى أَبُو طَالب عَن أَحْمد بن حَنْبَل أَنه قَالَ: هُوَ من أهل الْمَدِينَة، ثِقَة صَحِيح الحَدِيث، روى نَحْو مائَة حَدِيث. وَقَالَ ابْن معِين: لَيْسَ بِهِ بَأْس، صَالح الحَدِيث. وَقد رُوِيَ عَن ابْن معِين أَنه قَالَ: من قلت: لَيْسَ بِهِ بَأْس، فَهُوَ عِنْدِي ثِقَة. وَقَالَ أَبُو زرْعَة أَيْضا: لَيْسَ بِهِ بَأْس وَهُوَ عِنْد أبي حَاتِم بِحَال مُحَمَّد ابْن إِسْحَاق، وَسُئِلَ عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِذَاكَ. وَصدق، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِأَعْلَى مَا يكون، وَمَا مثله أعرض عَن حَدِيثه وَلَعَلَّه أحسن حَالا من عبد الحميد بن جَعْفَر. وَهُوَ قد بَين أَن بَين مُحَمَّد بن عَمْرو وَبَين أُولَئِكَ الصَّحَابَة رجلا. وَلَو كَانَ هَذَا عِنْدِي مُحْتَاجا إِلَيْهِ فِي هَذَا الحَدِيث للْقَضَاء بانقطاعه، كتبته فِي الْمدْرك الَّذِي فرغت مِنْهُ. وَلكنه غير مُحْتَاج إِلَيْهِ، للمتقرر من تَارِيخ وَفَاة أبي قَتَادَة، وتقاصر سنّ مُحَمَّد بن عَمْرو عَن إِدْرَاك حَيَاته رجلا، فَإِنَّمَا جَاءَت رِوَايَة عطاف عاضدة لما قد صَحَّ وَفرغ مِنْهُ.
بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام · Hadith 462
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
