580 - وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، نا علي بن حمشاذ العدل ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي ، نا أبو الوليد ، نا نافع بن عمر الجمحي ، عن ابن أبي مليكة ، قال : سئل ابن عباس عن الولدان ، في الجنة هم ؟ قال : « حسبك (1) ما اختصم (2) فيه موسى والخضر » وفي هذين الحديثين الثابتين دلالة على صحة قول من زعم أن أمرهم موكول إلى ما علم الله منهم ، وفيها الدلالة على أن قوله : كل مولود يولد على الفطرة معناه على ما حكينا عن حماد بن سلمة ، وإسحاق بن إبراهيم ، أو على ما حكينا عن عبد الله بن المبارك ، وعلى مثل قوله دل قول الأوزاعي ومالك ، أو على ما حكينا عن الشافعي من أن المراد بالفطرة الخلقة . والمقصود من الخبر البيان أن لا حكم للطفل في نفسه ، إنما حكمه بأبويه ، وأراد حكم الدنيا ، لا حكم الآخرة ، ثم يكون حكم الآخرة على ما دل عليه آخر الخبر وذهب إليه من قبله من الأئمة ، وفيه وجه آخر ذكره أبو سليمان الخطابي رحمه الله وهو أن يكون معناه ، أن كل مولود من البشر في أول مبدإ الخلقة ، وأصل الجبلة على الفطرة السليمة ، والطبع المتهيئ لقبول الدين فلو ترك عليها وخلى سبيله لاستمر على لزومها ، ولم ينتقل عنها إلى غيرها ، وذلك أن هذا الدين موجود حسنه في العقول ويسره في النفوس ، وإنما يعدل عنه من يعدل إلى غيره ، ويؤثره عليه لأنه من آفات النفوس النشوء والتقليد ، فلو سلم المولود من تلك الآفات لم يعتقد غيره ولم يختر عليه ما سواه ، ثم تمثل بأولاد اليهود والنصارى في اتباعهم لآبائهم ، والميل إلى أديانهم ، فينزلون بذلك عن الفطرة السليمة ، وعن المحجة المستقيمة ، وحاصل المعنى من هذا الحديث إنما هو الثناء على هذا الدين ، والإخبار عن محله من العقول ، وحسن موقعه من النفوس ، وليس من إيجاب حكم الإيمان للمولود سبيل والله أعلم . قال الشيخ : وإلى قريب من هذا المعنى ذهب أبو عبد الله الحليمي رحمه الله قال : وقوله : فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها (3) يريد ما وصفه في عقولهم من إمكان معرفته ووحدانيته وقدسه بها ، ويكون المعنى : الزم ما في عقلك من هذا ، ولا تخالفه إلى غيره ثم قال جل وعز : لا تبديل لخلق الله أي : لا يقدر أحد على أن يبدل ما ركب الله في الناس من العقل الذي هو آلة التمييز والمعرفة ، والحجة به قائمة على كل من كفر وأشرك بالله شيئا من خلقه ، ولو كان المراد بالفطرة نفس الإسلام لكان قول الله جل وعز : لا تبديل لخلق الله راجعا إليه ، ولناقض ذلك ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله : حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه لأنه إذا كان مفطورا على الإسلام ، وكان الإسلام هو المراد بفطرة الله التي فطر الناس عليها ، ثم هوده أبواه أو نصراه أو مجساه فقد بدلا ما خلق الله عز وجل ، والله جل جلاله يقول : لا تبديل لخلق الله وفي هذا ما أبان أن ليس المراد بفطرة الله التي فطر الناس عليها الإسلام ، لكن ما يتوصل به إلى أن الإسلام هو الحق من دلالة العقل وهي التي لا يتهيأ لأحد تبديلها ، وإن ذهب ذاهب كانت هي بحالة حجة عليه وداعية له إلى الصراط المستقيم وبالله التوفيق
القضاء والقدر · Hadith 643
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
