حدثنا أحمد بن عبد الرحيم الحراني، ثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن يونس، عن الحسن، قال: ما سمعت الله نحل عباده شيئاً أقل من الحلم، قال: {إن إبراهيم لحليمٌ}، وقال: {فبشرناه بغلامٍ حليمٍ}.فالحلم: سعة الخلق، والعقل: عقال عن التعدي، فالواسع في أخلاقه حرٌّ عن رق النفس.ولذلك قال عيسى -صلوات الله عليه- لبني إسرائيل: فلا عبيد أتقياء، ولا أحرار كرماء.فاعلم أن هاهنا صنفين: رجل عبد نفسه وأخلاقه؛ فهو بتقواه ينجو، وعبدٌ حرٌّ من أخلاق النفس ورقها؛ فهو كريم، أينما قدته انقاد؛ فهذا صفته الحليم.فالحليم يحتمل أثقال الأمر والنهي بلا كبد ولا مجاهدة.وكان إبراهيم -عليه الصلاة والسلام- ممن احتمل الأثقال: ابتلي بالنار، وابتلي بالغربة والهجرة، وابتلي بسارة، وابتلي بالختان، وابتلي بذبح الولد، فجاد بنفسه وبولده على الله تعالى، فأثنى الله سبحانه عليه، فقال: {إن إبراهيم لحليمٌ}.قوله: ((قصداً في غنًى)).فالقصد والقسط بمعنى واحد، وهو العدل، إلا أن القصد مستعمل في نوع، والقسط مستعمل في نوع.فالقصد: في الأفعال والأعمال، والقسط: في الأوزان.قال الله تعالى: {واقصد في مشيك}، وهو المشي الوسط، لا الوهن الكسلان، ولا السريع العجلان، وقال: {وأقيموا الوزن بالقسط}.فمعنى قوله: ((قصداً في غنًى)).أي: إذا كان غنياً، لم يتدرع في الإنفاق، فيقع في الإسراف، ويكون وسطاً، حتى لا يجحف بماله؛ فإنما هو رزق.ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءه ضيف، فبينما هو قاعد عنده، إذ جاء الراعي على يده بهمة قد ولدها، فقال له: ((اذبح شاةً))، ثم قال للضيف: ((لا تحسبن أنا من أجلك ذبحنا، ولكن لنا شياهٌ مئةٌ، فإذا ولد الراعي بهمةً، ذبحنا مكانها شاةً)).فهكذا القصد؛ أن الله إذا رزقه، اقتصد في إنفاقه، وذكر الله في كتابه منازل الخلق، فقال: {فمنهم ظالمٌ لنفسه ومنهم مقتصدٌ ومنهم سابقٌ بالخيرات}، فالمقتصد يسير إليه على طريق العدل، والسابق على طريق الفضل.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: {اعملوا آل داود شكراً}، قال: ((من كن فيه ثلاث خصالٍ، فقد أوتي ما أوتي آل داود: خشية الله في السر والعلانية، والقصد في الغنى والفقر، وكلمة العدل في الرضا والغضب)).قوله: ((تجملاً في فاقةٍ)).والفاقة: هو الخلاء من الشيء، وهو الفقر، فدل على التجمل، وأن لا يلقي بيديه إلى التهلكة، فإذا وسخت ثيابه؛ صبر على الأوساخ، وقلت مبالاته، وإذا تشوه شعره، ودرن جسده؛ صبر على الفضول والأدران، ورفع باله عن أحوال نفسه، وهيئته، وهيئة مسكنه، حتى يصير بحال يوحش الناظرين إليه.وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه رأى رجلاً ثائراً شعره، فقال: ((لم يشوه أحدكم نفسه؟))، ورأى آخر في ثياب وسخة، فقال: ((أما يملك هذا ما يغسل ثيابه؟)).وقال: ((إن الله نظيفٌ يحب النظافة))، وقال: ((نظفوا أفنيتكم؛ فإن اليهود لا ينظفون)).فالفقير وصاحب الفاقة إذا كان حي القلب، صاحب تقوى؛ وجدته في نظافة وهيئة، من نظر إليه، لم يوحشه، ومن جالسه، لم يثقل عليه، ولم يتأذ به، يأخذ شعره، ويقلم أظفاره، ويغسل أدرانه، ويبيض أثوابه، ويتطيب، ويتوقى على أحزابه.وكذلك في مسكنه، يهيئ كل شيء على حياله مما لا يحتاج فيه إلى كثير نفقة، يقول: إن لم يكن له مال، فإن هذه الأحوال التي تتجمل بها لا يحتاج صاحبها إلى كثير نفقة؛ فإن الأنهار جارية، والغسول من ورق الأشجار موجودة، فأخذ الشعر والأظفار ليس فيه كبير مؤنة، وتنظيف المجالس التي يجلس فيها في مسكنه ليس في كنسها ونظافتها كبير مؤنة، فليس يترك هذا صاحبه، ويهمله من أجل أنه لا يجد، ولكنه يتركه؛ لنذالة النفس ودناءتها، وموت قلبه؛ فإن القلب إذا مات، لم يلتمس الطهارات والنظافات.((وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يربط الحجر على بطنه من الجوع)).ولا يترك الطيب، ويعاهد أحوال نفسه، وكان لا تفارقه المرآة والسواك والمقراض في السفر والحضر.وكان إذا أراد أن يخرج إلى الناس، نظر في ركوةٍ فيها ماء، فيسوي من لحيته، وشعر رأسه، ويقول:((إن الله جميلٌ يحب الجمال)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1610
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
