حدثنا هارون بن حاتم الكوفي: أنبأنا عبيدة الحذاء، عن الأعمش، عن جرير بن حازم، عن أبي قلابة، قال: بلغ النبي صلى الله عليه وسلم: أن ناساً من أصحابه احتموا النساء واللحم، فأوعد النبي صلى الله عليه وسلم فيه وعداً شديداً، حتى ذكر القتل، فقال: ((لو كنت تقدمت فيه، لقتلت))، ثم قال: ((إني لم أرسل بالرهبانية، إن خير الدين عند الله الحنيفية السمحة، وإنما هلك من قبلكم من أهل الكتاب بالتشديد يشدد على أنفسهم، فتلك بقاياهم في الصوامع والديار، اعبدوا لله، ولا تشركوا به شيئاً، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا، واعتمروا، واستقيموا، يستقم بكم)).فيحتاج الحريص على البر والتقوى إلى العلم؛ حتى يمسك حرصه على التعدي، وذلك صدق الحرص الذي قال عبد الله بن مسعود لعمر بن الخطاب رضي الله عنهما: يا أمير المؤمنين! إن في هذه الأمة من يبلغ عمله في الميزان ما يكون عمل يوم وليلة أثقل من سبع سماوات، قال: بم ذاك يا ابن أم [عبد]؟ قال: بصدق اليقين، وبصدق الورع، وبصدق الحرص على البر والتقوى.قوله: ((شفقةً في معةٍ)).فالشفقة: تحنن الرأفة، والإكباب على من يشفق عليه، فإنما يصير مكباً بشدة الرأفة؛ فتلك الشفقة.والمعة: هي الحاوية، مشتقة من المعى، معاء البطن، فإذا كانت الشفقة بغير معة، انتشرت؛ فأفسدت، وإذا كان في معة؛ كانت الشفقة في حصنٍ، فلم تنتشر، ولم تفسد؛ لأن هناك شيئاً يحويها.قال له قائل: وما ذاك الشيء؟.قال: تعظيم حق الله، فإذا أشفقت على حق الله، كانت تلك الشفقة حاوية لهذه الشفقة؛ لأن النفس تأخذ بنصيبها من الشفقة، فإذا كان الغالب على العبد الشفقة على حق الله، كانت تلك الشفقة تجري على هذه الشفقة، حتى لا تنتشر وتنبثق، فيتعدى إلى الفساد.ألا ترى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جزعوا عند إقامة الحدود في مبتدأ أمرهم؛ فأنزل الله تعالى: {ولا تأخذكم بهما رأفةٌ في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر}، فجعل علامة إيمانهم في إقامة حق الله: الرمي برأفة النفس.وجلد عمر ابنه الحد، فقال: يا أبت! قتلتني! فقال: إذا لقيت ربك، فأخبره أنا نقيم الحدود.وكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في فاطمة المخزومية حيث أراد قطعها في سرقة، فغضب، وقال: ((والله! لو كانت فاطمة بنت محمدٍ، لقطعتها)).ثم نزل عن اليمين، فقطعها.قوله: ((حلماً في علمٍ)).فالحلم: سعة الأخلاق، فإذا توسع المرء في أخلاقه، ولم يكن له علم؛ افتقد الهدى، وضل؛ لأن توسعه يرمي إلى نهمات النفس، فيحتاج إلى علم يقف به على حفظ الحدود، وإذا كان له علم، ولم يكن هناك حلم؛ ساء خلقه، وتكبر بعلمه؛ لأن العلم له حلاوة، ولكل حلاوة بشرة، فإذا ضاقت أخلاقه، ولم ينتفع بعلمه؛ لأن ضيقه يرمي به إلى شره النفس وحدتها، فيكون صاحب عنف وخرق في الأمور، فعندها ضاع علمه.ولذلك قال الشعبي، أو غيره من التابعين: ما أضيف شيء إلى شيء أزين من حلم إلى علم.ولذلك قال ابن شوذب: الحلم أرفع من العقل؛ لأن الله تعالى تسمى بالحلم، ولم يتسم بالعقل.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1609
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
