حدثنا صالح بن محمد: ثنا سليمان بن عمرو، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله في الأرض أواني، ألا وهي القلوب، وأحبها إلى الله: أرقها، وأصفاها، وأصلبها: أرقها للإخوان، وأصفاها من الذنوب، وأصلبها في ذات الله.قوله: ((حزماً في لين)).فإن اللين يظهر على الأركان، فإذا كان أصله من القلب؛ كان من السكينة، وإذا كان أصله من النفس؛ كان من الكسل، وإذا كان من الكسل؛ انتشرت أمور دينه ودنياه، وتبددت، وضاعت، وإذا كان من السكينة؛ ثقل القلب بثقل السكينة، فسكنت الجوارح، وإذا سكنت الجوارح من ثقل القلب؛ ظهر الحزم في الأمور.والحزم: هو اجتماع الأمور له، فترى أمور دينه ودنياه كلها محكمة قد جمعت له حزمة.قوله: ((وإيماناً في يقين)).فإن الموحدين قد من الله عليهم بنور التوحيد، فوحدوه، ثم للنفس في الأسباب مرتع، فإذا تعلقت بسبب من الأسباب، لم تنقض عقدة التوحيد؛ لأنها معقودة بالعقدة العظمى، وهي العروة الوثقى التي ذكرها الله عز وجل في تنزيله بأنها: {لا انفصام لها}.ولكن دخل النقص في نوره المشرق في صدره، فصار محجوباً عن الله، وبقي مع الأسباب، فتراه الدهر من خوف الرزق مضطرباً، ومن خشية الخلق ذاهلاً، ومن الطمع فيما لديهم أسيراً، ولا يعمل لله إلا كأجير السوء.فهذا موحد دنيٌّ سفل، لا يقدر على الوفاء والتوقير لما نطق، لسانه.يقول: الحمد لله على نعمه، ثم تراه في الفعل كفوراً.ويقول: الله أكبر، ثم يتكبر على حق الله.ويقول: لا إله إلا الله، ثم يوله قلبه إلى الأسباب، فتراه عبيد أهل الدنيا.ويقول: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم يقتدر في الأمور.ويقول: صلى الله على محمد، ثم يوهن عرا ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، وأقامه بالسيف؛ بأفعال السوء، والسيرة المذمومة.ويقول: يا رب! ثم ينازعه في تدبيره في ربوبيته.ويقول: توكلت على الله، ثم يتخذ من دونه أولياء، فيتعلق بهم لنوائبه وحوائجه.ويقول: فوضت أمري إلى الله، ثم يعرض عن تدبيره، ويشتغل بتدبير نفسه.ويقول: اللهم خر لي، فإذا خار له، تسخط وتلوى.ويقول: حسبي الله، ثم تراه في خلو من الحسب، قد ركن إلى كل ظلوم، قال الله تعالى: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}.فهذا مع هذه العقائد قد يتسمى باسم الإيمان؛ لتوحيده واعترافه بالكلمة العليا، وقبوله الإسلام، ولكن حساب طويل، وعذاب أليم في القبر، والقيامة، وعلى الجسر، فيحتاج مع هذا الإيمان إلى يقين، فإذا نال القين؛ تخلص من هذه العقائد، وصار موحداً شاكراً لله، خالصاً له، متواضعاً والهاً إليه في كل حاجة، مفوضاً، ملقياً بيديه سلماً، قد تولى الله، وتولاه الله، قد عزز رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقره، ونصره، واتبع النور الذي معه؛ أولئك هم المفلحون.وقال الحسن البصري: إن عمر رضي الله عنه لم يغلب الناس بالصوم والصلاة، ولكن بالزهد واليقين.وقال بكر بن عبد الله المزني: إن أبا بكر لم يفضل الناس بكثرة صوم ولا صلاة، وإنما فضلهم بشيء كان في قلبه.وفيما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال في خطبته: ((خير ما ألقي في القلب اليقين)).وقال: ((ما أعطيت أمةٌ من اليقين ما أعطيت أمتي)).وقال: ((صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين، وفساد آخرها بالبخل والأمل)).فالبخل والأمل لا يظهران إلا من فقد اليقين، ساء ظنهم بربهم؛ فبخلوا، وتلذذوا بشهوات الدنيا، فحدثوا أنفسهم بطول الأمل، تلك أماني كاذبة.قوله: ((حرصاً في علم)).فهذا حرص قد اتجه على وجهين:فوجه منه: أن العلم بحر؛ فإذا دخل طالبه، فتوسطه، فلم ير له ساحلاً، ولا منتهى، مل وسئم، فيحتاج إلى حرص يعينه على ذلك، ويذهب بملالته وسآمته وبيعته في كل وقت؛ لأن العلم درجات، وبدوه من العالم العليم، فلما كان ذلك النوع أقرب إلى العالم، كان أغمر وأضيق مدخلاً.والحرص: هو الرقي إلى العالي من أمر الدين والدنيا، وإنما صار الحرص مذموماً في أمر الدنيا؛ لأن النفس كلما أعطيت درجة من الدنيا، نزعت إلى أعلى منها، فلا تقنع أبداً، كلما نالت درجة، تاقت إلى درجة أعلى منها.فهذا إذا كان في طلب الدنيا مذموماً؛ لأنه لا يقنع بما قدر له في اللوح من الرزق الذي قد فرغ الله منه لكل نفس، فهو في حرصه في طلب العلم محمود؛ لأنه يترقى بعلمه بقلبه إلى علام الغيوب، فكلما نال درجة، قربت منزلته عند ربه، قال الله تعالى: {والذين أوتوا العلم درجاتٍ}.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن يوماً لا أزداد فيه علماً يقربني إلى الله، لا بورك لي في طلوع شمس ذلك اليوم)).فالحرص في العلم يرقى بصاحبه، والحرص في الدنيا يحط بصاحبه.والوجه الآخر من الحرص: أنه يحرص على البر والتقوى، فيحتاج ذلك الحرص إلى العلم؛ لئلا يتعدى به حرصه في بره وتقواه إلى السقوط في الهلكة، فيبر بما يصير عقوقاً، ويتقي بما يصير وسوسة، ويعمل البر وهو غير مصيب للحق؛ كما فعل جريج الراهب في بره، وكما فعلت بنو إسرائيل في تقواهم.\فأما جريج:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1603
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
