نا بذلك محمد بن يحيى، عن علي بن الحسن، عن عبد الله بن المبارك، عن أبي بكر بن أبي مريم الغساني، عن راشد بن سعد، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وقال النبي عليه السلام: ((ليس كل قتيلٍ شهيداً، ورب قتيلٍ بين الصفين الله أعلم بنيته)).فمات رسول الله صلى الله عليه وسلم على فراشه، وهو رأس الشهداء، ثم من بعده أبو بكر كذلك، فإنما صاروا شهداء؛ بأنهم أمناء الله، جعل الله أرواحهم في أجسادهم عارية، فيقتضيهم عند نفاد آجالهم، فكانوا في أيام الحياة يعدونها عارية، وكانت أعينهم مادة إلى الدعوة، متى يدعون فيجيبون بلا تلكؤ، ولا تردد، فمن أحب العيش في الدنيا، لم يكن له حب لقاء الله تعالى، فحضره الموت، تلكأ، وتردد في بذل الروح، فخرج من أن يكون من أمناء الله، فكذلك وضع فيما بين العباد، لو أن رجلاً أعطي شيئاً عارية، أو أودع وديعة، ثم استردها صاحبها، فتلكأ هذا في ردها على مالكها، فقد خان، وضيع الأمانة، فإنما تؤخذ منه بعد ذلك قهراً.فأمناء الله: هم الذين أرواحهم عندهم عارية بأمانة الله، فهم يتمنون الموت حباً للقاء الله، فإذا جاءهم الموت؛ تجرعوا مرارته حباً للقائه، ولم يتلكؤوا في رد العواري، فلذلك صاروا أمناء الله.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((هم الشهداء)).لأنهم كانوا يومئذ شهدوا ذلك العرض، واليوم حين خرجت منهم الأرواح صارت إلى المحل، وشهدوا القربة، فهم شهود عند الله في القربة أحياء.وهذا يحقق ما قلنا بدءاً.فقد صير في حديثه: القتيل: والذين ماتوا على فرشهم بمنزلة، وسماهم: شهداء، يعلمك: أن الشهادة ليست عن القتل حدثت، إنما اسم الشهادة لزمهم لما وصفنا، والكرامة نالوها من أجل أنهم رفضوا الحياة، وآثروا لقاء الله، وأرادوه، فأرادهم.وكذلك الذي لا يزال على وضوء أيام الدنيا؛ لأن الله تعالى قال: {وأنزلنا من السماء ماءاً طهوراً}؛ أي: فعولاً للطهر؛ {لنحيي به بلدةً ميتاً}.فالأرض تحيا بذلك الماء، وتنبت، والآدمي خلق من الأرض، فإذا أذنب، مات قلبه عن الله، على قدر ذنبه، فإذا توضأ، كان ذلك الماء الذي أنزله طهوراً، يطهر جوارحه، ويزيل عنه المعاصي، فيعود القلب إلى الحياة التي كانت، فإذا دام وضوءه، وتتابع، كانت حياة قلبه دائمة، فإذا دامت حياة قلبه، تمنى الموت.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديثه لأنس: ((إن حفظت وصيتي،فلا يكونن شيءٌ أحب إليك من الموت)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1584
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
