نا الجارود، قال: نا حفص بن عبد الله السلمي، قال: نا عبد القدوس، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بمثله، وزاد فيه: ((وغدي وريح عليه من الجنة)).أي: برزقه.فأما تفسير الشهادة:فإنه روي لنا في الخبر: أن الله تعالى لما خلق الموت، فزعت الملائكة منه، وعظم شأنه عندهم، فقالوا: من يقوم لهذا؟ فقال تعالى فيما روي عنه: ((إن لي عباداً يتمنونه حبًّا للقائي، يتجرعون مرارته، ويهون ذلك عليهم اشتياقاً إلي، ويرفضون حياة الدنيا طالبين لي، فعجبت الملائكة من شأن هؤلاء العبيد، وحنت إلى رؤيتهم، قال: فعرضت تلك الأرواح يومئذٍ عليهم، فمن شهد ذلك العرض يومئذٍ، أثبت اسمه، وسمي شهيداً)).أي: شهد العرض، وكان من أهل هذه الصفة، فإذا خرج الروح منه،صار إلى ذلك المعرض، وكان من الأحياء المرزوقين، فلما صارت تلك الأرواح إلى الأجساد في الدنيا، وكانت قلوبهم حية بالله على الصفة التي وصفنا بدءاً، فمنهم الصديقون أولياء الله يتمنون الموت لحب الله.قال الله تعالى في تنزيله حين ادعت اليهود ولايته، فقال: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين}، ثم قال: {ولا يتمنونه أبداً بما قدمت أيديهم}.فأعلم العباد: أنهم بما قدمت أيديهم من نقض العهد، ونكث البيعة التي بايعوا الله يوم الميثاق، والمعاصي التي قدموها، لا يحبون لقاء الله، ولا يتمنون الموت، فأوفى العباد لتلك البيعة: أشدهم شوقاً إلى الله، وأحرصهم على الموت؛ فقد كانوا يوم العرض شهوداً في ذلك المحل، فلزمهم اسم الشهادة، فقيل: شهيد، فهم أيام الحياة في الدنيا على درجاتهم.فأول الدرجات هم: النبيون، وهم رأس المشتاقين إلى الله، وفيهم تفاوت، ثم من بعدهم: الأولياء الصديقون، وفيهم تفاوت، ثم من بعدهم: من جاهد في سبيل الله ابتغاء مرضاة الله، وهو لا يدري من هو، وهو محب للحياة، وكان في ذلك اليوم في ذلك العرض، فرزقه الله عند لقاء العدو شوقاً إليه، فلما آثر لقاء الله على الحياة في الدنيا، فأراد الله،أراده الله، فقتل، فتبين في عاقبة أمره أن هذا كان من هذا الصنف يومئذ، وإنما وجد القلب في هذه الساعة التي لقي فيها العدو، فصدق الله في بذل النفس، وإيثار لقاء الله.ثم هؤلاء الأصناف الذين ذكرهم في الحديث هم في الغيب في ذلك العرض قد أثبتت أسماؤهم في الشهداء بذلك المحل والعرض، فوفق الله لهم هذه الأحوال.فمن غرق، فأخذ الماء بنفسه، كانت موتته موتة وحية بلا لبث، فبذل نفسه لما أيس من الحياة، واختار لقاء الله.وكذلك صاحب الحريق، وصاحب الهدم، والنفساء بجمع إذا نشب الولد في البطن، أيست من الحياة، فآثرت لقاء الله، وكذلك المطعون.وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الطاعون، فقال: ((وخز أعدائكم من الجن)).فذلك قتيل الجن يائس صاحبه من الحياة، وكذلك المبطون، وصاحب ذات الجنب، -وهو السل-، قد أيسا من الحياة؛ لأن قوة الحياة قد ذهبت عن المبطون، والمسلول، وقد أحست نفوسهما بالموت، وكذلك الغريب إذا أشرف على الموت، فلم ير أهله وولده، ولا أحبابه، تمنى الموت، وبذل نفسه؛ لأن هؤلاء إذا كانوا بالحضرة، واشتد على النفس فراقهم، فأحب الحياة، ففي هذا نقصان.ولذلك تعوذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ((أعوذ بك من حب العيش عند حضرات الموت)).وإذا أحب أن يعيش في ذلك الوقت الذي دعاه الله إليه، فتلكأ وتردد، فذاك عيب ونقص، فأصحاب الفرش في هذا الغيب لا يتمنون الموت إذا حضر؛ لحب العيش، وفتنة قلوبهم بالأهل والولد، وحطام الدنيا، فذاك عيب ونقص.ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الشهداء أمناء الله؛ قتلوا أو ماتوا على فرشهم)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1583
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
