أنا قتيبة بن سعيد، قال: أنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرةٍ، ولا حكيم إلا ذو تجربةٍ)).قال أبو عبد الله رحمه الله:فالحلم: يعطي العبد من نور الجود، فإذا خلص إلى القلب نور الجود، انحلت عقد النفس، وكلت مخاليبها، وتخلص القلب من رق النفس، ومن سجونها، ووثاقها، واتسعت النفس بما نالت من نور الجود، فتولدت السماحة، فظهر الحلم، وهي في تلك السعة -سعة الحلم- غير عالمة بالتمسك بتلك السعة والسماحة، فإذا عثرت، فوقعت في الذنب،فهنا تبصر، وينفسح علمها بالسعة، لما رأت عثرتها، اتستعت لغيرها في تلك العثرة، وأبصرت أن العاثر هو كمثله، إما مفتونٌ، وإما مخذول، وإما معاقب، أو جاهل؛ لما رأى نفسه في وقت العثرة أنه مخذولٌ، أو مفتون، أو معاقب، أو جاهل.فقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا حليم إلا ذو عثرةٍ))؛ أي: بعد العثرة وصل إلى حقيقة الحلم وكنهه، فأما قبل العثرة، فقد يكون حليماً، ولكن ليس على كنهه؛ كأنه لم يكمل حلمه بعد؛ لأن نفسه لم تتسع بعد في الحلم الذي أعطي، فإذا جاءت العثرات، اعتبر بها، ورأى غيره فيما رأى نفسه في وقتها، فهناك يجد الحلم.وهذا كقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث آخر: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى النفس، وليس المسكين الذي ترده اللقمة واللقمتان، وإنما المسكين الذي قعد في بيته وقنع)).فذاك الذي يكثر عرضه، فهو أيضاً الغني، ولكن الغنى -على كنهه وحقيقته- هو غنى النفس، والمسكنة -على الحقيقة، وعلى كنهها- لمن قعد في بيته، وقنع بما أوتي.وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا حكيم إلا ذو تجربةٍ)).فالحكمة: من نور الجلال، فإذا أعطي العبد، انفجرت ينابيع الحكمة على قلبه، فهذه الحكمة ينبوعها على قلبه، فهي جاثمة متراكمة، وما لم تأخذه التجارب، لم تقدر النفس على مطالعة الحكمة؛ لأن النفس بلهاء غتمية، مشغولة بالشهوات، فكيف تدرك الحكمة؟ والحكمة باطن الأمور وأسرار العلم، فهي تعاين الظاهر ولا تدركه، فكيف تدرك الباطن؟.فإذا جرت الأمور، صارت هذه التجارب له كالمرآة ينظر فيها؛ لأنها صارت معاينة، ولذلك قال ابن عباس: ينتهي عقل الرجل إلى ثمانٍ وعشرين، ثم من بعد ذلك التجارب.فالعقل للقلب، والتجارب للنفس؛ لأن العقل باطن، والتجارب ظاهرة، تبصر العين، وتسمع الأذن، ويشم الأنف، وتلمس اليد، وتذوق اللسان واللهاة، فالتجارب -هاهنا-، وهي مسالك هذه الأشياء إلى النفس، وشعور النفس من هذه المسالك الظاهرة، فعندها تشعر النفس بذلك العقل الذي أعطي؛ لأن العقل إنما مسكنه في الدماغ، وفي الصدر يشرق بين عيني الفؤاد، والنفس لا تعلم بشيء من ذلك إلا ما يعلمها القلب، ويفطنها، ويدعو إليه، فإذا نالتها التجارب، عرفت وأيقنت؛ لأنها صارت معاينة ما كان أدى إليها القلب من الحكمة، ودلالة العقل.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1551
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
