أنا صالح بن محمد، قال: أنا إبراهيم بنمحمد الأسلمي، عن رجل، عن عطاء بن قرة السلولي، عن عبد الله بن ضمرة، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.فلم يذكر قتيبة أبا هريرة في حديثه.قال أبو عبد الله رحمه الله:فالدنيا هي هذه الدار التي دورت أرضها تدويراً بجبل قاف، وأحيط عليها بالجبل، وتلك دار أخرى، وهي آخرة، وهذه أولى، قال الله تعالى في تنزيله: {وإن لنا للآخرة والأولى}.وسميت هذه دنيا؛ لأنها أدنى إليك، والآخرة تعقب هذه، إذا ذهبت هذه، جاءت تلك، فتلك اسمها عاقبة؛ لأنها تعقب هذه، قال الله تعالى: {والعاقبة للمتقين}.وسميت هذه عاجلة؛ لأنها عجلت، وتلك آجلة؛ لأنها أجلت، وفي هذه الدار زينة وحياة، وفي تلك الدار زينة وحياة، فزينة هذه الدار أصلهامن تلك الدار، ولكنها نبتت ونشأت من أرض هذه ذهبها وفضتها، وجواهرها، ومياهها، وثمارها، ورياحينها، وطيبها، وألوانها، ونعيمها، وحياة هذه في الروح المركب في هذا القالب الذي هو من اللحم والدم، والعظم والعصب، والعروق والشهوة، واللذة في هذا القالب.واصل الشهوة من الفرج، وأصل اللذة من الذهن، وأصل القالب من التراب، والحياة مسكنها في الروح، والروح مسكنه في الدماغ، ثم هو متفشٍّ في جميع الجسد، وأصله معلق في الوتين عرق القلب مشدود هناك، وذلك العرق نياط القلب، والنفس مسكنها في البطن، وهي متفشية في جميع الجسد، وأصلها مشدود بهذا العرق، والشهوات في النفس، واللذة منها، وعملها في الذهن، فهذه الزينة والحياة التي في النفس تستعمل هذا القالب، فما كان من عمل العين، خرج إلى العين، وما كان من عمل السمع، خرج إلى السمع، وما كان من عمل المنطق، خرج إلى اللسان، وما كان من عمل اليد، خرج إلى اليد، وما كان من عمل الرجل، خرج إلى الرجل، وما كان من عمل البطن، خرج إلى البطن، وما كان من عمل الفرج، خرج إلى الفرج.ومخرج هذه الأعمال أعمال الجوارح السبع؛ من الفرح الذي في القلب، ومن الزينة والحياة التي في النفس، فإذا حزن القلب، ذبلت النفس، وانطفأت نار الشهوة، وتعطلت الجوارح عن العمل، وسكنت الحركات، فإذا فرح القلب، هاجت النفس، وصارت قوية طرية، وأثارت نيران الشهوات، واستعملت الجوارح كلها؛ فإن كل نار إنما تستعمل الجارحة التي بحيالها.فالفرح رأس مال أعمال الجوارح، والعبد مبلوٌّ بهذا الفرح، فإذا حيي القلب بالله، ففرح بشيء من زينة الدنيا تراءى بذلك النور الذي في قلبه، وتلك الحياة التي لقلبه صنع الله تعالى في تلك الزينة، وخلقه لها، ورحمته فيها، ورأفته على عبده بذلك، فقبلها من ربه، واستبشر بها، وصير ذلك الفرح لله، ونطق بالحمد لله، وأضمر على الطاعة شكراً لله، وإظهاراً لعلمه بأني أعلم أن هذا لي من الله، حتى يأخذ ذلك الفرح بمجامع قلبه، ويملأ صدره من ذلك الفرح، وينتشر سلطان ذلك الفرح من صدره في جميع جوارحه، فيذهب كسله، ويقوى عزمه، وتتجدد نيته، وتطيب نفسه.فهذا عبد حامد لله، شاكر لله، قد صدق علمه بأنه من الله؛ بقوله بلسانه: الحمد لله، ثم يصدقه بفعل جوارحه شكراً لله تعالى، وإذا هاج الفرح بتلك الزينة من قلبه، وكان قلبه محجوباً عن الله تعالى، وصدره مظلماً بغيوم الهوى، ودخان الشهوات، ورين الذنوب، لم يتراء لعيني فؤاده في صدره صنع الله في تلك الزينة، ولا خلقه لها، ولا رحمته فيها، ولا رأفته عليه، فجاء الهوى بكبره، والنفس بعلوها وتجبرها، وصار الفرح للنفس، والفرح بالدنيا، ولمراءاة الأشكال والأضداد؛ ليناطح بتلك الزينة الأضداد، ويباهي بها الأشكال، فظهر الفساد من الجوارح، وخرجت السيئات من الجسد، كل سيئة من معدنها؛ من قلة الرحمة، وقلة الرأفة، وقلة المبالاة، وترك النصيحة، وظهرت الفظاظة، واليبوسة، والغلظة، والقسوة، ومدانئ الأخلاق، حتى صارت الجوارح إلى الغش والمكر والمخادعة، وإلى أفعال الحسد، وإلى سوء النيات والمقاصد، حتى خرج إلى الفرعنة والتجبر، كل على قدره، يتنعمون بنعم الله تعالى، ويتلذذون بتلك الزينة، وتلك اللذات فرحاً، وأشراً، وبطراً في هيئة أهل الكفر بالله، والجحود له.فقد تبين الآن: أن أصل هذا الأمر كله من الفرح، فمن قدر أن يصرف هذا الفرح منه إلى الله في كل عمل، وفي كل أمر دنيا وآخرة، تنور قلبه، وإلا، فقد وقع في الوبال، فإن كان فرحه في أمر الدنيا، أشر وبطر وهلك، وإن كان في أمر الآخرة، أعجب وتكبر وصار مرائياً، فمن صرف ذلك إلى الله تعالى، لم يزدد لربه إلا خشوعاً وخضوعاً وحياءً، فحمده، ودعاه ذلك إلى شكره بجميع جوارحه، وذلك حفظ الجوارح السبع على أمر الله، وإقامة فرائض الله، والقيام بحقوق الله، ومن لم يقدر على ذلك، سباه فرحه، فصار سبياً من سبي النفس، وإذا نالت النفس الفرح، كانت بمنزلة رجل متغلب وجد كنزاً وأموالاً جمة، فاحتوى عليها، وفرقها فيمن اجتمع إليه من الغوغاء، حتى صاروا أعوانه وتباعه، فخرج بتلك القوة على أمير البلد، وعمد إلى الأمير فسجنه، فالأمير في الوثاق في السجن، والخارجي يدوس البلد دوساً، فإن تداركه أمير المؤمنين بمدد وجيش وكنز، فقد نصره، وإن تركه مخذولاً، فقد ذهبت الإمرة.فهذا شأن القلب مع النفس، وقد حذر الله تعالى عباده في تنزيله في قصة قارون قوله: {لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}.وقال تعالى: {وفرحوا بالحياة الدنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاعٌ}، وقال تعالى: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خيرٌ مما يجمعون}.فدلك على الفرح بفضله؛ ليصرفك عن الفرح بجمعه، فإن فرح الجمع هلاك الدين والقلب، وفرح الفضل والرحمة يؤديك إلى الله؛ لأن من فرح بشيء، أقبل عليه، وطلبه، فإذا رأى الله من عبده إقبالاً على هذه الدنيا الدنية، وعلى هذه الشهوة الرديئة، أعرض عنه، وردها عليه حتى يكون همه دنياه، ونهمته شهوات نفسه، وطلبه العلو فيها، حتى يضاد أقضيته وتدبيره، ويقطع بها عمره، خاب عن الله، وخسر الدنيا والآخرة، وإذا رأى إقباله على ربه، صنع له جميلاً، وهيأ له تدبيراً ينال به فوز العاجل والآجل، وسعادة الدارين.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1546
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
