نا بذلك صالح بن محمد، قال: نا محمد بن مروان، عن جويبر، عن الضحاك، قال: هي خيل منقوشة أخرجت لسليمان من البحر.فإنما سماها خيراً؛ لأنها عطية الله، لاحقة بالملك الذي أعطاه ملك الدنيا، ثم قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ}، فحق له أن يسميه خيراً، ولا عتب عليه في حبه إياه.قال له قائل: فما الذي حل به من حبه؛ حتى طفق مسحاً بالسوق والأعناق، فضرب سوقها وأعناقها؟.قال: لأنه شغله حبه إياها عن صلاة العصر حتى فاتته، فلم يكن حبه حب فتنة؛ لأنه أعطي الملك بغير حساب، فعصم من الفتنة، ولكن لما عرضت عليه الخيل، أحبها بحب الله؛ لأنه عطية الله، فشغل قلبه ذلك الحب عن حب شيء هو أعظم منه، وهو الصلاة، فلما رأى أن هذا الحب حطه عن درجة حب الصلاة، رمى بهذا الحب، فشكر الله له ذلك، فأبدله مكان هذا الخيل مركب الريح.قال تعالى: {فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاءً حيث أصاب}.فكان يركب غداة يومه في مركب من زجاج مئة طبق، في كل طبق صنف من جنوده وخدمه، وهو في أعلاها، فيما روي لنا، ثم تحمله الريح من بيت المقدس من أول النهار، حتى ينزل أرض فارس التي بها قلعة سليمان، وذلك مسيرة شهر، فيقيل بها، ثم يروح منها، فيمسي ببابل مسيرة شهر، وذلك قوله تعالى: {غدوها شهرٌ ورواحها شهرٌ}.فكان هذا من الله شكراً؛ حيث رأى انحطاطه عن درجة الصلاة إلى درجة عرضه الخيل؛ لأنه لا يتوهم على سليمان عليه السلام أنه اعترض الخيل تلذذاً، وتلعباً بالدنيا، ولكن نبي الله وصفيه، ومحبوه بالملك، إنما اعترض عطية ربه التي أعطاه بلا تبعةٍ ولا حساب، متلذذاً بعطف الله وبرأفته وبعطيته؛ ليحمده ويشكره شكراً يملأ منه سماءه وأرضه، فيكون حجة الله على ملوك الدنيا المائلين بقلوبهم عن الله بحبها، والمائلين بقلوبهم من أرباب الأموال في الدنيا، فتكون استقامته فيها لله قلباً وفعلاً، حجة لله على الآخرين، وتعييراً لهم، فلما رأى ذلك الحب شغله عن حب ما هو أعظم منه، رمى بها كالمعرض عنها حيث رأى النقص، فآثر ما آثره الله على الأشياء؛ لأنه رأى في الصلاة إقبال الله على عبده، ولم ير في العطية إقبالاً، ولا في اعتراضه العطية إقبالاً، فلما رأى فوت الإقبال، هاجت منه حرقة فوت الإقبال، فرمى بها، وتخلى عنه، فشكر الله له تلك الحرقة، فأعطاه ما لم يعط أحداً من الآدميين، وهو الريح.والريح أصلها من المشيئة، بعثها إلى الجنة، ثم جعل للآدميين حظاً من تلك في دنياهم لأنفاسهم ومعاشهم.وقوله تعالى: {وإنه لحب الخير لشديدٌ}، فأنبأ العباد أن هذا المال في الأصل قوام العباد في أمر دينهم، به يصلون، ويصومون، ويحجون، ويزكون ويتصدقون، ويتقربون إلى ربهم بالوسائل، قال الله تعالى: {ومن تطوع خيراً فإن الله شاكرٌ عليمٌ}.فأعمال الأركان لا تقوم إلا بهذا المال، وعيش الحياة في الأبدان لا تقوم إلا بالمال؛ منه يطعم، ومنه يشرب، ومنه يكتسي، ومنه يسكن من الحر والبرد، وبه يتوقى المشقة والأذى، ويدفع الشدائد من الأحوال.وقال في تنزيله: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً}.فأعلمك أن هذا قوامك في أمر دينك ودنياك، فالمؤمن دينه ودنياه جميعاً في دنياه، فإن عمل لآخرته، فإنما يعمل في دنياه، وإن عمل لدنياه، فإنما يعمل في دنياه.فهذا المال على ما وصفنا: هو حقيقٌ أن يسمى خيراً؛ لأن الخيرات به تقوم، فإذا أحبه، واشتد حبه له، فهذا غير معيب، ولا ملوم، ثم يفترق حبه له، فيصير على ضربين: فإن كان حبه للمال لأجل حبه لله، فهو محمود، وإن كان حبه للمال من أجل حب نفسه الدنية البالية غداً في التراب، فهو مذموم؛ لأن حبه له من هذا الوجه حب فتنة، والفتنة تقدمه إلى النار؛ لأن ذلك حب الشهوة، والشهوة بباب النار.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما روي عنه: ((حفت النار بالشهوات)).وإن كان من حب الله، أحبه، فذاك الحب نور على نور في قلبه.قال له قائل: وكيف يكون حب المال من حب الله؟.قال: علم العبد بأن الله قد أمره بأمور جعل مرضاته في تلك الأمور، وأن تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال، فمن أحب ربه، أحب أمره، وابتغاء مرضاته في كل أمر دق أو جل، وما هيجه وقواه على تلك إلا حبه، ثم نظر، فإذا تلك الأمور لا تقوم إلا بالمال، أفليس من المحال أن يحب شيئاً من أجل حب ربه؟ثم يعلم أن ذلك الشيء لا يقوم، ولا يتهيأ إلا بشيء آخر، ثم لا يحب هذا الشيء الثاني، وكيف لا يحب العبد نعمة يلتذ بها، وبأثمار تلك النعمة، وهو يجد تلك النعمة، وتلك الآثار سبباً لمحبة ربه، ولحمد ربه؟ وإذا خلصت إليه لذة تلك الأشياء، هيجت منه ذكر المنعم، فأثارت في صدره نوراً يتجدد حمده، وينكشف له الغطاء عن عطف ربه عليه، ورأفته ورحمته به، فيزداد بذلك خضوعاً، وذلة، وحياء منه، وتتراكم عليه أثقال الشكر، فهذه النعم وآثار النعم على هذا الوجه محقوق أن يحب.وماذا يتوهم المؤمنون ما الذي حمل سليمان على أن سأل ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده؟ أحب الله حمله على ذلك، أم حب الدنيا؟ فإن توهم متوهم أنه إنما سأل ذلك لحب نفسه ودنياه، فقد عاب نبياً ورسولاً كريماً محموداً، قد أثنى عليه ربه في تنزيله، فقال تعالى: {نعم العبد}. وقال تعالى: {وإن له عندنا لزلفى وحسن مئابٍ}، وقال تعالى: {ومن ذريته داود وسليمان}، ثم قال في آخر الآية: {أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده}.فسماه في تنزيله: مهدياً، وأواباً، وصاحب زلفة وحسن مآب، ونعم العبد، فمن عاب مثل هذا العبد، فقد رد على الله، ولا آمن عليه الكفر، ومن جهل شأن هذا، افتضح كما افتضح هؤلاء القراء، وأغتام الزهاد، حتى أضمروا له على سوء جهلهم ذلك على أن قبلوا من جهلهم أحاديث روتها الزنادقة كادوا بها الإسلام، فألقوها إليهم، فقبلوها عنهم من جهلهم بالزهد ما هو، مثل حديث: ((مر عبدي)) وأشباهه.وكيف يستجيز مسلم أن يقبل قول رجل يقول لسليمان نبي الله: يا خاطئ بن خاطئ، جعلت الآخرة تحت قدميك، والدنيا فوق رأسك، فأنت محجوب عن الله وداره، وغرتك الدنيا، وغرك هواك، فهذا كله كفر ممن استقبل رسولاً من رسل الله بمثل هذا، فهؤلاء الأغتام قبلوا هذا حتى كتبوه، ورووه في كتبهم.قال له القائل: وكيف افتقد هذا الخلق هذه الخطة حتى صار هذا المال فتنة لهم؟.قال: لأنهم أعرضوا عن الله، وشغلتهم شهوات نفوسهم عن ذكر الله، وقل علمهم بالله، فتدنسوا بالشهوات والأعراض، وجفوا بره ونعمه ولطفه، وأقبلوا على أهوائهم، فبعدوا عن الله، فكلما ازدادوا بعداً، ازدادوا عنه نوماً وغفلة، وسكراً، وموتاً، وبه جهلاً، فالكافر مات عن الله بالهوى، وطالب الشهوة سكر عن الله بالنهمة، والعابد والزاهد ناما عن الله بالغفلة.فقال له القائل: فمن بقي؟.قال: العارف بالله، العالم بالله.قال: ومن هو؟.قال: الذي حيي بالله، فرأى ربوبيته في خلقه، فلها عن خلقه، واستولى على قلبه ذكره، لما نظر إلى ربوبيته بعيني فؤاده، فلما نظر بعيني رأسه، تأدى علم ذلك إلى عين فؤاده في ربوبيته في الأشياء، فذلك المصباح الذي يتوقد في صدره من الشجرة المباركة الزيتونة التي توقد، فما زالت زيتونيته تدله على ربه، وهو يسير إليه هارباً بقلبه من جميع ما ظهر في الدنيا من ربوبيته؛ مخافة أن يصطاده شيء منها، فيكون علاقته، فهو هارب لا يطمئن إليهم، ويتوقى الفرح بهم حتى يصل إليه، فإذا وصل إليه، عرفه وعلمه، فمعرفته وعلمه يؤديانه إليه، فإذا قلبه اكتنفه، فإذا اكتنفه فقد احترز في الحبس، وبقي معه في القبضة، فإن أحب الأشياء، فبحبه يحب، وإن عاملهم، فعنه يعاملهم، وعن موافقته يكون معهم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1457
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
