نا سفيان بن وكيع، نا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي، عن النعمان بن بشير، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا إن في الجسد مضغةً إذا صلحت، صلح الجسد كله، وإذا فسدت، فسد الجسد [كله]، ألا وهي القلب)).فالقلب ملك، بصلاحه يصلح الجسد؛ لأن التدبير إليه، والنفس تحب الملك وتشتهيه، وتسامي وتباري القلب، فهي تطلب الفرصة، فإذا نالت، تملكت على القلب فأفسدته، وبفساده يفسد الجسد؛ بمنزلة أمير وقع في الحبس، وخارجي قد تملك على البلد، فضاعت الحدود والأحكام، وخربت الكورة، وظهر الظلم، والعدوان والحريق، والغارات، فالحريق: المعاصي، والغارات: غارات كنوز القلب، وصار الصدر كله معدن الجهل، والشره والبطر، والشهوة والرغبة، والكبر والعلو، والحرص، والحسد والحقد، وأخلاق الكفر، وقد أمر الله بمجاهدة النفس، فقال: {وجاهدوا في الله حق جهاده}.وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الجهاد جهادان، وأفضلهما جهاد النفس)).فإذا التقى القلب والنفس للمحاربة، هذا بجنود الله؛ من العلم، والعقل، والمعرفة، والفهم، والفطنة، والحفظ، والكياسة، وحسن التدبير، والحراسة، فتشعبت هذه الأنوار، فأشرقت، واشتعل الصدر بهذه الأنوار، فأبرقت، واضطرم شعاعها، والنفس بجنود العدو؛ من الهوى، والشهوة، والغضب، والرغبة، والكبر، والحرص، والمكر، والخدائع، والخنادق، والمدد من الزينة، والأفراح، فاضطربا وتحاربا، فذك وقت يباهي الله بعبده عند ملائكته، والنصرة موضوعة في تلك المشيئة في حجاب القدرة، فيعطى العبد نصرة بمشيئته، فتصل إلى العبد في أسرع من اللمحة واللحظة.فلما رأى الهوى النصرة، ذل وانهزم، فانهزم العدو بجنوده، وأقبل القلب بجمعه وجنوده على النفس حتى أسرها، وحبسها في سجنه، وقعد أميراً، وجمع جنوده وقواده، التي ذكرنا في الباب الأول، وهي الأخلاق، وفتح باب بيوت الأموال، والخزائن، ورزق الجنود من الأموال، وزادهم من الخزائن في الآلة والعدة.فهذا ملك القلب للنفس حين يغضب، وحين يرهب، وحين يشتهي، قد خسأ شيطانه، وحرمت جوارحه على النار، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.وإذا التقى القلب والنفس للمحاربة، والتقى الجمعان، كانت صفته كجبريل مع محمد عليهما السلام يوم بدر، وإبليس مع الكفار يشجعهم، ويقوي أمورهم، ويعدهم ويمنيهم، فلما رأى جبريل، نكص على عقبيه هارباً، وقال: {إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله}.إنما خاف الأسر أن يأسره جبريل فيفضحه، ويريه الناس، فهرب وترك الجمع، فكذلك الهوى، لما رأى المعرفة بسلطانها قد أقبلت، والعقل على مقدمتها، والعلم بالله محيطاً بالعسكر والجنود، نكص الهوى على عقبه، وتبرأ من الجنود.فهذا ملك النفس للقلب، وملك القلب للنفس، ثم من بعد هذا الملك ملك آخر لأولياء الله، فذاك قلب يملكه الله، فإذا تعدى الحدود في الظاهر، لم يفسد، ولم يخرب، ولم يجترئ أحد على أن يستقبله بتغيير؛ لأن ذلك حد الله في الباطن، وقد خفي على الخلق، والحد عندهم في الظاهر غير ذلك.فهذا قلب غلب عليه سلطان القبضة، فملكته، واستعمله الله في قبضته، كما استعمل الخضر في خرق السفينة، وفي قتل الغلام، وكان ذلك في الباطن حد الله، وفي الظاهر مخفي على الخلق، ولذلك أنكره موسى.فهذه قلوب قد ملكها سلطان القبضة، وتلك قلوب قد ملكها سلطان الحق، والقلوب التي ذكرنا بدءاً ملكها سلطان النفس.ومما يحقق ما قلنا:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1403
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
