نا بذلك عبد الرحيم بن حبيب.وإن الأشجار لتنطق، وإن الأقداح لتطير، فتغترف بمقدار شهوة الشارب، وذلك قوله تعالى: {قدروها تقديراً}؛ أي: لا يفضل عن الري، ولا ينقص منه، فقد ألهمت الأقداح معرفة مقدار ري المشتهي حتى تغترف بذلك المقدار، وإن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته، ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير به إلى الماء، فيجري معه حيثما دار في منازله على مستوى الأرض في غير أخدود، ويتعبه حيثما صعد من أعالي قصوره، وذلك قوله تعالى: {عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً}.وروي في الخبر: أن ولي الله يشير بذلك القضيب إلى الماء، فيعدل معه حيثما عدل، فهو التفجير، وأن الثوب الذي يلبسه ولي الله يتلون عليه في اليوم الواحد سبعين لوناً، كلما خطر بباله لون، تغير لباسه، وتلون عليه بما اشتهت نفسه.وكذلك فيما يطعم ويشرب، كلما تمنى أو خطر بباله شيء، تغير ذلك الذي في فيه يمضغه إلى طعم ما خطر بباله، فهذا كله وفاء ربنا لعبيده حيث قال لهم: {وهم في ما اشتهت أنفسهم}؛ لأنهم ردوا شهوات النفس في الدنيا من المعاصي في نفوسهم، فشكر الله لهم في دارهي، فكلما تناولوا شهوة من طعام، أو شراب، أو لباس، أو مركب، أو مسكن، أو شيء من الأشياء، فخطر ببالهم في ذلك الشيء شهوة غيرها، تحول ذلك الشيء إلى ما اشتهت نفسه؛ لئلا يتنغص عليه عيشه، ولا يتكدر عليه عطاء ربه؛ لأن الله تعالى وعده في تنزيله: أن [في] الجنة {عطاءً غير مجذوذٍ}؛ أي: غير مقطوع، فلو كان إذا خطر بباله شيء من الشهوات، احتيج إلى مهلة حتى ينالها، لم يكن في ذلك وفاء للوعد، فجعل الله الجنة ونعيمها له هنيئة، كلما خطر بباله شهوة في شيء، تحولت له تلك في أسرع من طرفة عين إلى الشهوة الأخرى؛ وفاء لما وعد؛ ليكون عطاء غير مجذوذ دائماً أبداً.ألا ترى أنه يأتي زوجته وهي بكر، فإذا قضى منها شهوته، عادت بكراً على حالها؟.فهكذا شأن الجنة، فإذا خرجت من الجنة إلى الدنيا تلك الأشياء، تغيرت أحوالها؛ لأن الجنة محرمة على الآدميين حتى يذوقوا الموت.ألا ترى أن الحجر الأسود والركن كانت تضيء كالشمس، فاسودت لأدناس الآدميين، وسترت زينتها عنهم، فهي في الباطن على هيئتها، ولكنها مستورة، ولو دقت، فصارت رضيضاً، لم تجده إلا أسود في رأي العين، وهي في الباطن على هيئتها.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1371
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
