حدثنا نصر بن يحيى، ثنا سعيد بن سليمان، ثنا أبو عقيلٍ، ثنا عمر بن محمد بن زيدٍ، عن عبد الله بن دينارٍ، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأعمال عند الله سبعةٌ: عملان موجبان، وعملان بأمثالهما، وعملٌ بعشرة أمثالهما، وعملٌ بسبع مئة ضعفٍ، وعملٌ لا يعلم ثواب عامله إلا الله، فأما الموجبان: فمن لقي الله يعبده مخلصاً، لا يشرك به شيئاً، وجبت له الجنة، ومن لقي الله قد أشرك به، وجبت له النار، ومن عمل سيئةً، جزي بمثلها، ومن أراد أن يعمل حسنةً، ولم يعملها، جزي بمثلها، ومن عمل حسنةً، جزي عشراً، ومن أنفق ماله في سبيل الله، ضعفت بسبع مئةٍ، فالدرهم بسبع مئةٍ، والدينار بسبع مئةٍ، والصيام الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله)).فالموجبان هما: الإيمان والشرك، فإنما ذكر مخلصاً؛ لأنه قد يكون مؤمن مشرك.ألا ترى إلى قوله: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}، ليس من مشرك فيها، إلا وهو يعرف ربه معرفة الفطرة، ويؤمن به، ثم يجد العدو إليه سبيلاً، فيغويه حتى يشرك به؛ لأنه لم يمن عليه بمعرفة التوحيد.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قال ربكم: خلقت عبادي حنفاء، فأتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وأمرتهم أن يشركوا بي)).فإنما قال: ((من لقي الله يعبده مخلصاً))؛ أي: لقيه بإيمان خالص، لا شرك فيه لأحد، فهو موجبه للجنة، ثم من قبل وصوله إلى الجنة حساب بالأعمال التي هي وفاء الإيمان.وأما قوله: ((عملان بأمثالهما)).فصير السيئة مع إرادة الحسنة؛ لأن إرادة الحسنة هو عمل القلب وحده، لم تنحط تلك الإرادة إلى النفس فتقهرها، حتى تستتم الجوارح ذلك العمل؛ لأن الجوارح هي للنفس، والنفس غالبة عليها.ألا ترى أنها إذا خرجت النفس في حال منامها، ذهب السمع والبصر واللسان، وقوة كل شيء من جوارحه، فالحسنة الواحدة قد اشترك فيها مع القلب تسعة: الروح، والنفس، والجوارح السبعة اللاتي أخذ عليهن العهد والميثاق، وألزمت التزكية بالأعجمية، فحسب له بعشر أمثالها، والسيئة اشترك فيها التسعة، فأنكر القلب.فالروح، والنفس، والجوارح، عوامل بتلك السيئة، والقلب منكر لذلك بما فيه من الإيمان، فبالإنكار له حسبت له بواحدة، ووجدنا أعمال العباد على ثلاث منازل، فحسنة بعشر أمثالها، ذلك للعامة، وقد بين ذلك في تنزيله فقال: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها}، فعم الجميع بقوله: {من جاء}.فدخل فيه أهل التخليط من الموحدين.ومنزلة أخرى: الحسنة فيها بسبع مئة، وذلك للصادقين؛ لأن أبدانهم قد صارت سبيلية، فكل حسنة إنما خرجت من بدن عليه سبع جوارح، فحسبت له كل حسنة بسبعة، ثم ضوعفت بسبعة، ثم ضوعفت كل واحدة بمئة، فصارت سبع مئة، فقال في تنزيله: {مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبةٍ أنبتت سبع سنابل في كل سنبلةٍ مائة حبةٍ}.فهذا مثل كأنه ضرب للجوارح السبع، هاجت تلك الحسنة من حبة القلب، فأعملت الجوارح؛ حتى عملت جارحة منها، وأعانتها عليها سائر الجوارح، فصارت بمنزلة السنابل السبع، فضوعفت بمئة، فالقلب والنفس قد استقاما لله، فالقلب أمير، والنفس عريف الأمير.والعوامل سبع جوارح؛ فالحياء والكرامة للقلب وللنفس من مزيد الله، والجزاء للجوارح السبع، فإنما صارت كل واحدة بمئة من المزيد الذي ناله القلب والنفس، وأن الجارحة الواحدة إذا عملت، فمادتها من الجوارح الباقية؛لأن العهد المقبول قد تمكن فيهن، وبذلك العهد يعين بعضها بعضاً.ومنزلة أخرى: وذلك أن الحسنة فيها بأضعاف، ثم الأضعاف مضاعفة، فأما الأضعاف فهي السبع مئة المذكورة، وأما المضاعفة لتلك الأضعاف؛ فقد انقطع عن الملائكة أن يحصوه، فهذا للمحسنين أهل الصفاء الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سأله جبريل -عليه الصلاة والسلام-: ما الإحسان؟ قال: ((أن تعبد الله كأنك تراه)).فالحسنة من هذا الصنف؛ تضاعف بسبع مئة، وهو العلم الذي أعطي الملائكة، ثم يضاعف الله تلك الأضعاف من عنده بما ينقطع العلم عنه، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه قال: ((الصيام الذي لا يعلم ثواب عامله إلا الله)).وإذا بلغ العبد منزلة المحسنين، وصارت أعماله كما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن يعبد الله كأنه يراه؛ ولي الله جزاءه؛ لأن الملائكة تعجز عن أن تطلع في قلبه من أين هاجت هذه الحسنة؟ وأما طريق الجنة والجزاء فيها؛ فقد أعطي الملائكة علم ذلك.وأما قوله: ((الطاعم الشاكر بمنزلة الصائم الصابر)).فالإيمان: ينقسم على الشكر والصبر.فلذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الإيمان نصفان: نصفٌ للشكر، ونصفٌ للصبر)).لأن العبد في جميع عمره بين محبوب ومكروه.فالإيمان يقتضيه: الشكر عند المحبوب، والصبر عند المكروه، وإذا وفى بهما، وفر إيمانه، فإذا طعم، فقد أتى بمحبوب النفس، فإذا شكرت، فقد أتت بنصف وفاء الإيمان، وإذا جاعت، فذلك مكروهها، فإذا صبرت، فقد أتت بالنصف الباقي، ثم هو في جميع الأعمال كذلك.وإن العبد لما آمن بقلبه، واعترف بلسانه، امتحن صدق ما في قلبه، وامتحن طمأنينة نفسه بالإيمان بهذا المحبوب والمكروه، فإن أبرزهما بالجوارح في كل أمر، فأبرز عند المحبوب شكراً، وعند المكروه صبراً، فقد أتى بوفاء الإيمان، وهو قوله تعالى: {الم. أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون}.فقوله: {الم} كأنه يقول: أنا أعلم بالناس، ولم أمتحنهم، وأنا أعلم بسرائرهم، فلم أتركهم وسرائرهم، وإن أظهروا القول حتى أبرز بالأعمال ما أعلم أنا منهم.ثم قال: {ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين}.فهذا علم الظاهر، وقد علم من قبل علم السرائر، والفتن: الحرق، وذلك أن الشهوة التي في بني آدم من المحفوف بباب النار فيها حرقة، فإذا أثارها محبوب من الأمور، فهي حرقة يقتضي عليها الشكر، وهو رؤيتها من خالقها، والمقدر لها، وإذا أثارها بمكروه، فهي حرقة يقتضي عليها الصبر للمقدر الحاكم القاضي عليه بذلك؛ ليظهر صحة إيمانه، فيباهي الله به يوم الموقف ملائكته وجنوده، إذا أتى الله بالشكر والصبر.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1189
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
