حدثنا عمر، عن فهد بن سلامٍ، عن يزيد، عن مالك بن دينارٍ، قال: رأيت رجلاً بمكة يقول: اللهم كما قبلت حجاتي الأربع، فاقبل هذه الحجة، فتعجبت منه، وقلت: كيف علمت أن الله قبلها منك؟ قال: أربع سنين كنت أنوي كل سنة أن أحج، وعلم من نيتي، وحججت من عامي، فأنا خائفٌ أن لا يقبل مني، قال مالك: فيومئذ علمت أن النية أفضل من العمل.قال أبو عبد الله:وجدنا من طريق الاعتبار عندما مثلنا بين النية والعمل: أن العمل منقطع، والنية دائمة، وتصديقه في حديث ثابت عن أنس.والعمل علانية، والنية سر، وتصديقه في حديث عطاء.أعمال السر مضاعفة، والعمل سعي الأركان إلى الله، والنية سعي القلوب إلى الله تعالى، والقلب ملك، والأركان جنوده، ولا يستوي سعي الملك، وسعي جنوده، والعلم يوضع في الخزائن، والنية عنده؛ لأنه الذكر الخفي، والعمل موقوف على نهايته، والنية لا تحصى نهايتها، والعمل تحقيق الإيمان وإظهاره، والنية فرع الإيمان بمنزلة الشجرة؛ لأن الشجرة هي خشبة منصوبة، فبظهور ورقها هي شجرة، وليس للورق ثمر، إنما هي زينة الشجرة، والثمرة من الفرع، والفرع سقياه من الأصل، وذلك قول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابتٌ وفرعها في السماء}، فالأصل هو الإيمان الذي في القلب، والنية هي فروعها في السماء، والعمل هو الأكل: {تؤتي أكلها كل حينٍ بإذن ربها}، والعمل موكل به الحفظة، والنية لم يطلع عليها الحفظة، والعمل في ديوان الملائكة، والنية في ديوان الله.ألا ترى إلى قوله: ((أنتم حفظةٌ على عبدي، وأنا رقيبٌ على ما في نفسه)).والعمل الواحد لا يعدو نفس ذلك العمل، ولا ينتظم غيره، والنية تنتظم بالأعمال، والعمل ثوابه من الجنة، والنية ثوابها من منازل القربة، والعمل أجناس لا يشبه بعضها بعضاً، فلا يقدر العبد أن يعمل عملاً ينتظم جميع الأعمال، والنية تشمل الأشياء، وذلك إذا نوى بلوغ مرضاته، فمرضاته جميع الطاعات، فهو في ذلك الوقت كأنه قد أخذ يعبده بالطاعات كلها، فهو كالعامل بجميع الطاعات، وهذه النية كلها للصادقين من عمال الله يحتاجون إلى نية في كل أمر؛ لأن قلوبهم مع الأشياء، فيحتاجون إلى أن ينووا إلى الله عند مبتدأ كل أمر.وكذلك جاءنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات))، وقال: ((لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر لمن لا حسنة له)).وأصل النية من طريق الإعراب هو النهوض بقول ما ينوء؛ أي: نهض ينهض، فإذا كان القلب في حبس النفس، فإنه يحتاج إلى النهوض إلى الله عند مبتدأ كل أمر، وهو الإرادة والقصد إليه، وإذا تخلى القلب من حصار النفس، فصار إلى الله، وتعلق به، وجيء به، فمحال أن يقول: نهض إليه؛ لأنه عنده، ولا يحتاج إلى نية، هو في كل أموره عند ربه، فقد سقط عنههذا النظر، وهذا عنده محال بعد أن استقام لله قلبه عبودة، وقام بين يديه، فهذا دائم له في كل حالة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1177
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
