وحدثنا الجارود، قال: حدثنا جريرٌ، عن مغيرة، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل في مال أبي بكر كما يعمل في مال نفسه.فإنما كان يفعل ذلك؛ لما قد عرف منه.ألا ترى أنه لما قال لهم: ((تصدقوا))، فجاء أبو بكر بماله كله، فقال: ((يا أبا بكر! ما تركت لأهلك؟))، قال: الله تعالى ورسوله.فهل كان يفعل في مال غيره مثل ذلك؟ فإنما صارت مخالطة المطبوع على السخاء أطيب، والتناول من شيئه أشهى، والأكل من طعامه أحلى وأطيب، من أجل سقوط قدر ذلك عن قلبه، ولا يكاد أهل الانتباه واليقظة يدخلون لبيوت البخلاء، ويتناولون من أطعمتهم، إلا ويجدون ثقل ذلك على قلوبهم، ويفتقدون ذلك الطيب، وتلك الحلاوة واللذة من طعامهم، والقلوب تحس بما في نفوسهم من قدر ذلك الشيء عندهم، فيذهب طعمه وطيبه منهم.ألا ترى إلى ما جاء عن قوم موسى عليه السلام من تلك الأمة التي ذكرها الله فيتنزيله فقال: {ومن قوم موسى أمةٌ يهدون بالحق وبه يعدلون}.فروي في الخبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أسري به، نزل عليهم حين رجع حتى أقرأهم عشر سور من القرآن، وعلمهم الشريعة، ومستقرهم بأرض الصين من وراء نهر الرمل، فذكر أنه سألهم عن معاشهم، فقالوا: نزرع ونحصد، ونجمعه في برية من الأرض، فيخرج كل من احتاج إلى شيء، فيأخذ منه، وسائره متروك هناك.فهذا صدق الأخوة في أهل الهداية بالحق، وأهل العدل به، فقد صار العدل بقومهم، والحق هاديهم، فقد كانت أوائل هذه الأمة على هذا السبيل، وقد أثنى الله عليهم في تنزيله، فقال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ} {ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا}.وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما افتتح خيبر، فقسم الغنائم للمهاجرين دون الأنصار، وأثنى الله عليهم حين لم يجدوا في صدورهم ضيقاً، ولا حسداً، ولا شكاً، ولا وجدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم في فعله، حيث ضربوابالسيوف حتى فتحوا وغنموا، ثم أعطى الغنيمة المهاجرين دونهم، فأثنى الله عليهم، وشهد لهم بالصدق، وسقوط قدر الشيء عن قلوبهم، فقال: {يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجةً مما أوتوا}؛ يعني: المهاجرين، ثم قال: {ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصةٌ}.وهذا غاية الطهارة من قدر الشيء، وسقوطه من القلب، فيظن بمثل هذا، ومن هذه صفته أن يتناول من شيئه على طريق الترفق، والمخالطة أن يكون ذلك مكروهاً، وهذا ما أجرأ عبد الرحمن بن عوف، حتى أكل من مزود عمر بن الخطاب بغير إذنه.وقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه: {أو صديقكم} إذنٌ بالغ، ولكن الصديق له حقيقة، فما لم تعرف له حقيقة صداقته لم يغرر المتقي المتورع بنفسه في ذلك، وأول حقيقة الصداقة في سقوط قدر الشيء من قلبه، فإذا لم يعرفه بهذا، فهو -وإن صادقه بكل قلبه- فهو مجتهد في صداقته، ومن يجتهد في صداقته، فلا يخلو من كراهة وثقل إن تناولت من ملكه شيئاً؛ لأنه في جهد من ذلك، وإنما صار في جهد؛ لأن نفسه لا تطاوعه؛ لقدر ذلك الشيء على قلبه، فهو يجاهد نفسه، فصاحب هذا مغرور إذا عامله على ذلك، وإنما أذن الله في الأموال عن طيب النفس.ألا ترى في قوله تعالى في شأن المهور: {فإن طبن لكم عن شيءٍ منه نفساً فكلوه هنيئاً مريئاً}، ولم يقل: فإن طبن لكم عن شيء منه قلباً، ولكن قال: {نفساً}؛ لأن القلب ربما رضي، فطاب بما فيه من الإيمان، والنفس تكره بما فيها من الشهوة، فشرط في شأن المهر طيب النفس.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يحل لامرئ من عطاء أخيه إلا بطيب نفسه، وذلك لشدة ما حرم الله من مال المؤمن)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1151
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
