حدثنا عبد الوهاب بن فليحٍ، قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الصمد، قال: حدثنا هشامٌ أبو المقدام، عن محمد بن كعبٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أنبئكم بشراركم؟))، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((من أكل وحده، ومنع رفده، وجلد عبده)).فالأكل وحده في صورة أهل البخل والدناءة، فإذا أنفق على الجماعة، ولم يقم لذلك، وعجز عنه، فالسبيل في ذلك ما ندبهم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمعوا نفقاتهم إلى أحدهم حتى ينفقها عليهم، فيكون أطيب لنفوسهم، وأحسن لأخلاقهم، فكل أحد إنما أخرج من يده مقدار كفايته لم يرد على ذلك، وهو طيب النفس بذلك، ولا يحتشم من الأكل؛ لأنه إنما هو من عند نفسه أكل منه، ولو أنفق واحد واحد، لاحتشم أحدهم من صاحبه، واستحيا، وثقل عليه، حتى تجيء نوبته، وربما ذهبت النوبة، وانقطع السفر، فيبقى ما دل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تسكين للنفوس من الوجهين جميعاً: من وجه الحشمة، ومن وجه التثاقل.فالنفوس ساكنة، والأيدي مجتمعة، والألفة باقية، والبركة نازلة، وخلق الإسلام باقٍ قائم، وإنما سمي بهذا؛ لنهود النفوس إليها، وينهد؛ أي: يتسارع، ويخف إلى هذا الفعل، وإنما بعث الله الرسل؛ ليدلوا الخلق إلىأشرف الأمور وأكرمها، وقد سبق ذكر هذا النهد في التنزيل مما اقتص الله علينا في شأن أصحاب الكهف من قوله: {فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاماً فليأتكم برزق منه}.فنسب الرزق إليهم كلهم، فكأنه دل على أنهم اجتمعوا على النفقة، فبعثوا واحداً منهم بورقهم في شراء ما بهم إليه الحاجة من الطعام، وفي هذا دلالة لصحة الوكالة أن الوكيل قد يجوز أن يشتري لغيره، ويتوكل له في أموره، فيجوز عليه، وإنما هذا القول في شأن النهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم لعامة من عنده، فأما الكرام الذين [هم] ملوك الدين، فهم أرفع شأناً من أن يتناهدوا؛ لأن قدر الشيء عن قلوبهم ساقط، ومن طبيعتهم السخاء، فقلما يجري فيما بينهم إذا انفردوا عن العامة وزن وعدد وتفقد، إنما الوزن والعدد والتفقد للعامة الذين عظم شأن ذلك عندهم، وحل من قلوبهم محل الفتنة.فأما أهل اليقين والقربة: فهم في خلو من هذا فيما بينهم إذا تفردوا عن الناس، وعلى صدق الأخوة تجري أمورهم، يأخذ أحدهم من مال أخيه عند الحاجة، وإنما طابت نفوسهم بذلك؛ لأنه لا يمد أحدهم يده إلى مال أخيه لرغبة فيه، ولا لشهوة، ولا لقضاء نهمة، إنما يجده ويتناوله لله عز وجل، فقد عرف أخوه ذلك منه، وأمنه على نفسه وماله، وشهد له قلبه بالشفقة، والعطف، والرحمة، فلا يتهمه في نفقته، ولا على إمساك.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1147
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
