حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا سهل ابن تمامٍ البصري، عن سوار أبي حمزة، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إذا اجتمع القوم في سفرٍ، فليجمعوا نفقاتهم عند أحدهم؛ فإنه أطيب لنفوسهم، وأحسن لأخلاقهم)).فهذه النفوس فيها ضيق، وجهد، ووسواس، وللشيء عندهم قدر، وذلك لضعف يقينهم، وظلمة صدورهم، وما أوتي الشح، والبخل، والدقة، والتعظيم للشيء إلا من قلة اليقين، وذلك أن اليقين يريك ما في الملكوت، فتصغر عندك الدنيا بما فيها، وتدق في جنبه، وضعف اليقين يعجزك عن رؤية الآخرة، وعن رؤية عظيم ما في الملكوت، واليقين نور من نور الله في قلبك، فإذا تمكن في قلبك، صارت عين قلبك ذات بصيرة، فأبصرت الغيب بذلك النور، كما أن بصر عين الرأس يريك الأشياء في الدنيا، وبين اليقين تفاوت للعباد، كما قد ترى الرجل يبصر الكواكب بالنهار، وآخر لا يراها إلا بالليل حين يظلم، فهذا لضعف بصره، وذاك لقوة بصره، فلذلك بصر عين القلب إنما يتقوى بنور اليقين الذي في قلبه.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته: ((وخير ما ألقي في القلب اليقين)).وقوله في حديث أبي بكر رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس لم يعطوا شيئاً خيراً من اليقين والعافية، فاسألوهما الله)).وأوفرهم حظاً من اليقين أكثرهم معرفة، وأغزرهم علماً بما فيالملكوت، وأخشاهم لله، وأعلمهم بتدبير الله، وأغناهم بغنى الله.هذا قليل في الناس، والعامة من الناس قد عجزت عن هذا؛ لما يرون الأشياء بالأسباب، وبذلك تعلقت قلوبهم، ومنها افتتنوا حتى عصوا الله في جنبها، فمحال أن لا يكون للشيء عندهم قدر، وإنما لهم عصمة عن تناول حرامها وأوساخها، ثم هم مع ذلك في الفتنة، ومن أجلها يحرمون عظيم قدر ما في أيديهم من هذا الحطام عندهم، حتى لا تسخو نفس أحدهم أن يخرج مما في يديه فلساً إلا بعربون.قال له قائل: وما العربون؟ قال: الديون بالأعجمية، ألم تر إلى الرجل يستصنع صانعاً شيئاً، ويبين له المقدار ليتخذه له، فيعطيه العربون، فإنما أخذ منه العربون؛ لأنه لما لم يسكن قلبه على ما واصفه عليه،خاف أن يترك عليه، فأخذ منه العربون وثيقة ليأمن من تركه، كأنه قد عجل له بعض ثمنه، فكذلك هذه الطبقة لا تسخو نفوسهم على إخراج درهم مما في يده إلا على ذكر الخلف من الله يخلفه له في دنياه، كما وعد في تنزيله من قوله: {وما أنفقتم من شيءٍ فهو يخلفه}، وعلى ذكر الثواب أن يعطيه في الآخرة قصوراً، ودوراً، وحوراً، وحبوراً، وسروراً، فهذا عربون أهل الهمة، ثم لا تسخو نفوسهم على إتعاب جوارحهم وأعمالها لله من شيء من أعمال البر إلا على طمع نوال الثواب غداً من الله، ولم ينتهوا عن محرم إلا على خوف العقاب من الله عز وجل.فهؤلاء عبيد عبدوا الله عز وجل من أجل نفوسهم، لم تأخذهم هيبة عظمته، وسلطان كبريائه، فتركض بهم في ميدان الطاعة ركضاً، وتركض بهم في ميدان الهرب عن مساخطه ركضاً، إجلالاً لرؤية الله إياهم على الأحوال، وترجياً لمحابه، وتلذذاً لعبودته، فإذا اجتمعت هذه الطبقة التي للشيء عندها قدر في سفر، فانفرد كل واحد منهم بطعامه، كانت في ذلك وحشة، ونزعة البركة، وليس ذلك من خلق الإسلام، وفيه ذهاب الألفة، وظهور الفرقة.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أحب الطعام إلى الله تعالى ما كثرت عليه الأيدي)).وروي عن أبي أمامة في قوله تعالى: {إن الإنسان لربه لكنود}، قال: ((الكنود: الذي يأكل وحده، ويمنع رفده، ويضرب عبده)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1145
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
