حدثنا حميد بن عليٍّ مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: حدثنا جعفر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن مغيرة، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يأتي على الناس زمانٌ المتمسك فيه بسنتي عند اختلاف أمتي كالقابض على الجمر)).فديدان القراء: هم هؤلاء الذين تنسكوا في ظاهر الأحوال تصنعاً وتأكلاً للدنيا به، قد رموا بأبصارهم إلى الأرض، ومدوا بأعناقهم تيهاً، وتكبراً، وإعجاباً بظاهر أحوالهم؛ لجهلهم بالله، وغرتهم به، يعدونالخطأ ويقضون المنى، ناظرين إلى أهل الذنوب بعين الازدراء؛ حقارة لهم، وعجباً بأنفسهم، أعطوا القوة على لبس الخشن، وأكل الحشف، والتصبر عن ملاذ الدنيا وشهواتها استدراجاً، واستمروا فيها، وسخت نفوسهم بترك جميع اللذات في جنب لذة ثناء الخلق عليهم، والتعظيم لهم، والنظر لهم بعين الإجلال.تقول لهم: نفوسهم: إنما تنال الرفعة العظمى عند الخلق بترك ظاهر الدنيا ولذاتها، حتى ينال ملكاً بلا سيف، وجنداً بلا ارتزاق، وغنىً بلا خزانة، وعبيداً بلا ملك، قست قلوبهم بما مناهم، فأقبلوا على جفاء الدنيا وذمها، وذم من تناولها، والطعن على من وسم بالغنى من أئمة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أداهم جهلهم إلى أن خرجوا على الرسل طعناً ورمياً، منهم: داود، وسليمان، وأيوب، ومن وسع عليهم هذه الدنيا -صلوات الله عليهم- فخرجوا من الدين مروقاً من حيث لم يشعروا.وأعظم شيء في أعين هذا الخلق هذه الزينة والحطام، عظمت هذه في نفوسهم، وكبر شأنها في صدورهم، حتى عصوا الله في جنته، ولهوا عن وعيده، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فمن تركها، فقد عظم شأنه عندهم، وحسبوا أنه لم يبق وراء هذا شيء، وأن هذا عبد قد بلغ الغاية في الدين، ولا يعلمون أنه ترك شيئاً قليلاً من شيء لا يزن جمعيه عند الله جناح بعوضة، فإذا كان جميعه لا يزن جناح بعوضة، فالذي ترك منه كم هو؟.بلغنا في الخبر: أن الله -تبارك اسمه- يقول لتارك الدنيا: زهدت في الدنيا راحة تعجلتها، وللعابد: عبدتني، فحملك العباد فوق رؤوسهم، فهل أحببت في ولياً؟ أو هل عاديت في عدواً؟ وزعتي! لاينال رحمتي من لم يوال في، ولم يعاد في.فهؤلاء الديدان قد تركوها في رأي العين من حيث يظهر للخلق، وأخروها من حيث يخفى عليهم، اتخذوا بتركها في الظاهر عند الخلق منزلة ووجهاً، حتى نالوها في الباطن بتلك المنزلة أوفر مما تركوها، وعلى أسهل ما تناولوها، فقد كانوا من قبل الترك يكدون سعياً في تناولها حتى يصلوا إليها، ومن بعد المنزلة تناولوها على أيدي الراحة بسمة الترك، لما يزدرون على أهل الغنى، ويجفون أهل الريب، ويشمئزون عن مخالطة العامة، العبوس في وجوههم، والتماوت في أركانهم، وعجب النفس في صدورهم، فنية الترك في كلامهم، وسوء الخلق في أفعالهم، وضيق الصدر في عشرتهم الواحد منهم في نفسه أعظم من ملء كورته رجالاً فهم ديدان القراء الذين يقال لهم بالأعجمية: كجل، يهابهم الناس هيبة سوء الخلق، لا هيبة الحق، ولا هيبة الخشية.فحق لهم أن يكونوا كما سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: الأنتنين؛ لأنهم في نتن من الأمور، وسفالة ودناءة، وصدورهم أنتن من أمورهم؛ لأنهم يموتون على الدنيا عشقاً، ومن أجلها يعادون أهل الدنيا ممن وسم بالغنى، يخادع الله بعمله، ولا يفكر في يوم القيامة، وبتحصيل ما في الصدور، حظه من عمره ما انفرد بأمر آخرته، فإذا خرج منها إلى دنياه، يظل عمره بالغفلة، همته هواه، ودينه مناه، وتبعة غواه، وسعيه شراه، وهم من الصدق عراة، قدملكوا القلوب من تصنعهم وريائهم، وهجروا الخلق من أجل دنياهم، كأنهم يقولون لهم: ضعوها حتى نرفعها، وتخلوا عنها حتى نملكها.وصنف آخر: تصنعوا لهذا الخلق؛ بزي أهل المسكنة والفقر من خشن الملابس، وطول القلانس، وطرة اللحى، وحف الشوارب؛ ليتمكنوا في صدور المجالس، وليبتدوا من الملوك الأبالس هذا الحطام على الختل الدامس، والتدريب الدالس، وحمات الهامس، ونصب فخوخ القابض.فالمتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ظهور هذا الجنس، كالقابض على الجمر؛ لأن هذين الصنفين قد تمكنوا من صدور الخلق؛ لغلبة الجهل عليهم، فهم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فهم عند الخلق علماء، وفي الملكوت جهال.كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((إن الله لا يقبض العلم ينتزعه انتزاعاً من قلوب الناس، لكن يقبض العلماء، فإذا ماتوا، اتخذ الناس رؤساء جهالاً، فضلوا وأضلوا)).فمن تمسك بالسنة بين ظهراني هذين الصنفين بعد تمكنهم من الرياسة، ونفاذ القول من الخلق، فقد بارزهم بالمحاربة؛ لأن في تمسكه بالسنة هتكاً لسترهم عند العامة، وكشفاً لعوراتهم، وإبانة لكذبهم، وحطاً لرئاستهم، وقطعاً لمأكلتهم، فالمتمسك بالسنة فيه الصدق والوفاء، فإذا عارضته بصدقك ووفائك مستعملاً له، ترصد لك بالعدواة، واستعد لمحاربتك؛ لما يحس به من كشف عورته، فصارت مؤنته عليك أعظم من مؤنة محاربة الكافر؛ لأن الكافر لا حرمة له.فالقلب والأركان قد تعاونوا عليه بإهلاكه ومبادرة هذا مع حفظ القلب؛ لأن حرمة الإيمان معه، فإذا عاداك مع مخالفته إياك بتركه التمسك بالسنة، احتجت إلى أن تداريه، وتلاطفه، وترفق به، وتتأنى في أمره،وتراقب الله في شأنه، وتحتمل أذاه وعيبه بحرمة الإسلام، وهو ينتقصك، ويطلبك بالغوائل يريد إسقاطك، فتحتاج إلى أن تحفظ جوارحك حتى لا تعتدي، وتحتاج إلى أن تحفظ قلبك حتى لا يجور، وأن تحفظ همتك فيه حتى لا تغش، وتنصح الله في عبده المؤمن، وترحمه في بلائه، وتنتظر الفرج من خالقك، وترى تدبيره فيه وفيك.فلذلك شبهه بالقابض على الجمر؛ لأن الجمر يحرق اليد، وهذا يحرق القلب، والكبد يحرقك من وجهين:من وجه تغييره الحق عن جهته، ودرسه على لسانه، واغترار الخلق به.ومن وجه: أن عمره صار وبالاً عليه، فترحمه.ولقد جمعني وبعض أهل هذه الصفة مجمع فيها ملاك، فقدمت إلينا أطباق سكر، وغوالي في مداهن فضة، فتناول الغالية من الفضة، وأبيت أن آخذه لمكان الفضة، فغاظ هذا المخالف ما فعلت؛ لما كان فيه من هتكه، فأخذ يهجن فعلي محتجاً، وذلك بمسمع من ذلك الجمع، فقلت: ألم ينه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لباس الحرير والديباج، وعن الشرب في آنية الذهب والفضة؟ قال: بلى، قلت: أفتراه نهاهم من أجل الشراب، أو من أجل الآنية؟ لأنه من زي الفراعنة وأهل الشرك بالله استعمالهم الذهب والفضة أوانياً، فما الفرق بين استعماله شرباً منه، وبين استعماله تدهناً وتغلفاً منه؟ أرأيت حين نهاهم عن لباس الحرير والديباج هل علمت أحداً رخص في افتراشهما؟
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 1010
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
