حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا نعيم ابن حمادٍ، عن عثمان بن كثير بن دينارٍ، عن محمد بن مهاجرٍ، قال: أخبرني عروة بن رويمٍ اللخمي، عن عبد الرحمن بن غنمٍ، عن عبادة بن الصامتٍ رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الفضل إيمان العبد أن يعلم العبد أن الله معه حيثما كان)).فهذا علم اليقين، لا علم اللسان، فقد علم الموحدون كلهم أن الله معهم، وقد قرؤوا في تنزيله مع علمهم بذلك، فقال: {ما يكون من نجوى ثلاثةٍ إلا هو رابعهم ولا خمسةٍ إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة}.وقال: {وما تكون في شأنٍ وما تتلوا منه من قرآنٍ ولا تعملون من عملٍ إلا كنا عليكم شهوداٍ إذ تفيضون فيه}.فالموحدون: قد علموا هذا كله، وقررهم إيمانهم به بأن ذلك كذلك، ثم لم يعمل في قلوبهم وراء ذلك شيئاً، فمن أعطي علم الإنابة، وهو النور الذي إذا أناب أعطي، فوجد المخافة، قيده ذلك الذي ورد على قلبه عما ذكره الله، ووقف به على سبيل الاستقامة؛ لأنه وقف به قلبه بين رجاء ومخافة.ومتى أعطي علم اليقين، انكشف الغطاء عن قلبه بنوره؛ وهو نور الأنوار، فنظر إلى جلال الله وعظمته، فاندست أعضاؤه بعضها إلى بعض، وصارت نفسه الشهوانية كشجرة رطبة أصابها الحريق، فيبست فصارت جذعاً، ووجد أركانه كوعاءٍ فيه رملٌ أو أشياء من الحبوب مثل الأرز ونحوه، حذراً وضعفاً وعجزاً، ثم أحله مرتبة من مراتبه من هدايته بين يديه، فأحيا قلبه به، فقوي بالله، وحييت شهواته به، ورطب جسده، وانبسطت جوارحه، وانفتقت أعضاؤه، وعاش في غذائه، ونجواه، وبشراه بقية محياه، فهو بين يديه مراقباً لأموره كأنه يراه، فحياؤه منه أكثر من حياء ملأٍ عظيم، ومحفل كبير قد ضم ذلك المحفل وجوه كثير من المسلمين وأشرافهم، بل يدق حياؤه منهم في جنب حيائه منه، وهيبته له أكثر من هيبته من ملك قد ملك ملوك الدنيا شرقاً وغرباً، بل قد تدق هيبته لذلك الملك في جنب هيبته له.فهذا الذي قد علم حق العلم أن الله معه، فلولا أن الله يلطف بعبده هذا، حتى ينبسط منه، ويؤنسه، ويقويه لاحتمال ذلك، لما قدر عليه، ولا صلح للمعاش والعشرة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 988
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
