حدثنا سفيان بن وكيعٍ، قال: حدثنا حفص ابن غياثٍ، عن حجاج، عن مكحولٍ، عن أبي الشمال، عن أبي أيوب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أربعٌ من سنن المرسلين: التعطر، والحياء، والنكاح، والسواك)).فالسنة: الصورة والمثال، كأنه يقول: هذه الخلال الخمس من شأنهم، وأنهم كانوا يكونون في هذه الصورة من الأفعال.فأما الحياء: فإن النور إذا دخل القلب، تخلص الروح من أسر النفس وأشغالها، فعاد إلى طبعه السماوي، والحياء: هو خجل الروح، وتلكؤه عن كل عمل لا يحسن في أهل السماء، فإنما صار الحياء من شأنهم؛ لطهارة الروح من أسباب النفس.وأما الحلم: فهو سعة الصدر، وانشراحه، وإنما اتسع وانشرح؛ لورود النور.وأما الحجامة: فمن أجل أن للدم حرارة، وقوة، وللنور حرارة وقوة، وإذا لم ينقص من حرارة الدم، أضر.ومما يحقق ذلك: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما مررت بملأٍ من الملائكة ليلة أسري بي إلا قالوا: يا محمد! مر أمتك بالحجامة)).فإنما خصت هذه الأمة بذلك؛ من أجل زيادة النور.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمةٌ ما أعطيت أمتي من اليقين)).وقول كعب: وجدت في التوراة: أن الأنبياء يقومون يوم القيامة، مع كل نبي نوران، ومع كل واحد ممن تبعهم نور واحد، وإن النبي صلى الله عليه وسلم قام، ولهبعدد كل شعرة من رأسه وجسده نور، ومع كل واحد ممن تبعه نوران.ومما يحقق ذلك: قوله تعالى: {قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛ أي: قل: إن هذا الهدى هدى الله الذي ولي هدايتكم به، لن يعطى أحدٌ مثل ما أعطيتم.فإذا ولي الله هداية عبد، فضله باليقين، ومن هداه بالرسل والكتاب والآيات، هو دون هذا، وكانت الأنبياء تأتي بالآيات، وكفي الرسول صلى الله عليه وسلم مؤنة ذلك، حتى قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إني لمن أكثر الأنبياء تبعاً، وما أتيت بما آمن بمثله البشر من الآيات)).فإذا تركوا، أخذ الدم يتبيغ، فقتل؛ لأن حرارة النور تغلبه، فعرفت الملائكة شأن هذه الأمة، وما فضلت به، فتقربت إلى الله بالنصيحة لها.وهذه المقالة التي بقيت في أفواه العامة: أن البدن يضعف، ويضر به إخراج الدم منه، وذلك أن الدم عماد الجسد، ومنه حرارته، ويشيرون إلى ترك الحجامة، إنما خرجت من الأطباء، والطب بدؤه من كتب الروم، وهم نصارى، وإنما انتسخوها من كتب ذي القرنين، ومن بعده من كتب طب سليمان بن داود عليه السلام.ثم تبحروا وزادوا من تلقاء أنفسهم، ووضعوا الكتب على ذلك، فعامتهم يشيرون إلى تقليل الحجامة، ثم إلى تركها بعد مجاوزة الخمسين من العمر، ولا يعلمون أن لله في هذه الأمة خبيئة قد اضطربت بها الصوت في الملأ الأعلى، حتى تقربوا إلى الله بالنصح لهم من المداومة على الحجامة، فلم يكن لبني إسرائيل من اليقين من الحظ ما لهذه الأمة، فلم يضر بهم ترك الحجامة.وإنما أخذت أطباؤهم من تقدير طبائعهم وسيرتهم، ولو علموا أن هاهنا فضل يقين يشتعل حريقه في قلوبهم، ويتلهب في صدورهم، فتغلي من ذلك دماؤهم الطبيعة، حتى يؤدي ذلك إلى الفضول والضرر الكثير؛ لدبروا لهم خلاف تدبير نفوسهم وطبائعهم، فإنما صارت الحجامة من سنن عامة المرسلين؛ لأن النور غالب على قلوبهم وصدورهم، فتغلي من ذلك دماؤهم، فإذا لم يأخذوها، فارت، فأضرت.وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقى من الصداع من نور الوحي، فيغلف رأسه بالحناء؛ ليخفف عن رأسه سلطان تلك الحرارة، فمن رئي من بعده أنه كان يخضب، فإنما ذاك من قبل الوفد والأعراب، كانوا يرون بشعره ردع الحناء وحمرته، فيحسبونه خضاباً.وأما السواك: فلأنه طريق التنزيل والوحي الوارد، وموضع نجوى الملائكة، فكانوا يقصدون لتطييبها، وتطهيرها، فإنه إذا استاك، تنظف،وإذا تركه، تنكرت الرائحة، وآذى الملك، وضاعت حرمة الوحي.وأما النكاح: فإن الأنبياء قد زيدوا في النكاح بفضل نبوتهم، وذلك أن النور إذا امتلأ الصدر منه، ففاض في العروق، التذت النفس والعروق، فأثار الشهوة، وقواها، وريح الشهوة إذا قويت، فإنما تقوى من القلب والنفس، فعندها يجد القوة.وروي عن سعيد بن المسيب: أن النبيين -عليهم السلام- يفضلون بالجماع على الناس، وذلك لما فيه من اللذة.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 914
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
