حدثنا أبو الحارث عبيد الله بن الحارث، قال: حدثنا بكر بن محمد بن حبيبٍ المازني، عن الحكم بن ظهيرٍ، عن السدي، عن أبي صالحٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: قدم وفد اليمن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: أبيت اللعن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سبحان الله! إنما يقال هذا للملك، ولست أنا ملكاً، أنا محمد بن عبد الله))، قالوا: فإنا لا ندعوك باسمك، قال: ((فأنا أبو القاسم))، فقالوا: يا أبا القاسم! إنا قد خبأنا لك خبيئةً، فقال: ((سبحان الله!إنما يفعل هذا بالكاهن، فالكاهن والمتكهن، والكهانة في النار))، فقال له أحدهم: فمن يشهد لك أنك رسول الله؟ قال: فضرب بيده إلى حفنة حصى فأخذها فقال: ((هذا يشهد أني رسول الله))، قال: فسبحن في يده، وقلن: نشهد أنك رسول الله، فقالوا له: أسمعنا بعض ما أنزل عليك؟ فقرأ: {والصافات صفًّا}، حتى انتهى إلى قوله: {فأتبعه شهابٌ ثاقبٌ}، وإنه لساكنٌ، ما نبض منه عرق، وإن دموعه لتسبقه إلى لحيته، فقالوا له: إنا نراك تبكي، أمن خوف الذي بعثك تبكي؟ قال: ((بلى من خوف الذي بعثني أبكي، إنه بعثني على طريقٍ مثل حد السيف، إن زغت عنه، هلكت، ثم قرأ: {ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلاً})).فإنما صار في مثل حد السيف؛ لأن طريق الأعمال على النفس، ومبتدأه من القلب، وطريقها على النفس، فإذا مرت، فلم تلتفت إلى النفس، ولا لحقته النفس أن تبعته، فقد صفا العمل، وصفت العبودة، فهذه منزلتان: إحداهما أشرف من الأخرى.فمنزلة: أن العمل يبتدئ من القلب، فيخرج إلى الأركان، ونفسه حية تحب أن تشركه في ذلك، وهو أن تلتمس الثواب.ومنزلة أخرى أشرف من هذه: وهي أن تموت النفس، والقلب في مقام الهيبة، فيخرج العمل إلى الأركان، فلا يلتفت إلى النفس، ولا بالنفس حراكٌ، فتشخص إليه طرفاً، فهذا صفة العبودة، بعث عبداً بالرسالة للعبودة، فالعبد قائم بين يدي مولاه، يعمل ما يؤمر، ولا يتكلف من تلقاء نفسه شيئاً، ولا يدبر لنفسه شيئاً، وقد فوض ذلك كله إلى مولاه.فمن شأن المحب أن لا يكون له نعمةٌ دون لقاء الحبيب، فإذا لم يهتد إليه، فوجد دليلاً يؤديه إليه، فمن صدق المحبة أن يقفو أثر الدليل والعلم الذي رفع له، حتى يؤديه إليه، فقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: {فاستقم كما أمرت}.فالاستقامة في السير: أن لا يلتفت يميناً ولا شمالاً، ولا يعرج على شيءٍ، فيشتغل به دونه.فاجتمع نفرٌ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأفاضوا في الذكر، فرقوا، ثم ذكروا نعم الله عليهم بالإسلام والقرآن، وإحسانه، فطرت نفوسهم، فقالوا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله فنعملها، فجاءت المحبة من الله، فأنزل الله تعالى: {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفًّا كأنهم بنيانٌ مرصوصٌ}.استقصاه عليهم في كنه الأمر؛ ليظهر صدق ما نطقوا به، فخرجوا إلى القتال، فلم يكن من بعضهم الذي قال، فأنزل الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون. كبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون}.فقال عبد الله بن رواحة: ((لا أزال حبيساً في سبيل الله)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 881
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
