حدثنا بذلك محمد بن يحيى بن أبي حزمٍ القطعي، قال: حدثنا بشر بن عمر الزهراني، عن ابن لهيعة، عن خالد بن أبي عمران، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((طوبى للسابقين إلى ظل الله))، قيل: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين إذا أعطوا الحق، قبلوه، وإذا سئلوا، بذلوه، والذين يحكمون للناس بحكمهم لأنفسهم)).فهذه صفة أهل القناعة، وهي الحياة الطيبة التي ذكر الله في تنزيله،فقال عز وجل: {من عمل صالحاً من ذكرٍ أو أنثى وهو مؤمنٌ فلنحيينه حياةً طيبةً}، ثم ذكر جزاؤه في آخر الآية، فقال: {ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون}.فبالله استغنوا حتى قنعوا بما أعطوا، وبالله انقادوا، وألقوا بأيديهم حتى بذلوا الحق إذا سئلوا، وإلى الله أقبلوا حتى عدل قلوبهم، فصاروا أمناءه وحكامه في أرضه، يحكمون للناس ما يحكمون لأنفسهم، فإن النفس ميالة، وصاحبها غير متهم فيها، وإنه لا يألو لها نصحاً وخيراً، فيتمثل شأنها، فما أحب لها، وحكم لها في الأمور، أحب للناس مثله، وحكم لهم بمثله.وروي عن كعب: أنه قال: إن أحببت أن تصل الأرحام ما بينك وبين آدم عليه السلام، فأحب للناس ما تحب لنفسك.وروي في مناجاة موسى عليه السلام: أنه قال: يا رب! كيف أصل رحمي وقد تباعدوا عني في مشارق الأرض ومغاربها، وقد أمرتني بذلك؟ قال: ((يا موسى! أحب لهم ما تحب لنفسك)).وعنه قال: سألني بعض السائلين أن أوصيه بوصية أجمل له وأوجزها، فقلت له:تعبدنا ربنا بهاتين الخصلتين: أن تكون له كالعبد، وأن تكون لعبيده كما هو لهم، فقال: كيف يكون هذا؟ قلت: إذا وصفته، كثر، وسألتني أن أوجز، فأوجزت لك الصفة في كلمتين تدرك بهما، وتجزيك عن كثير عن الوصف.مثل: عبد اشتريته ليكون لك عبداً، فما أردت منه، وطالبته به، فاخرج إلى الله من مثله، وكن لله كما تريد أن يكون عبدك لك، ومثل نفسك مثالاً، فما أحببت لنفسك، فعامل عبيده بمثله؛ فإن الله اتخذك عبداً حجة عليك، فمن مطالبتك عبدك واقتضائك له أن يكون بين يديك، ولا يمد يده إلى شيء من ملكك إلا ما أذنت له فيه، ولا يخطو إلى أمر إلا بإذنك، ولا يعمل لغيرك عملاً، وما أعطيته قنع به، وما حكمت عليه مما لم يوافق، لم يسخط عليك، ولم يشكك إلى أحد، وهذا مرادك من عبدك، فاخرج إلى الله من ذلك، وأنصفه من نفسك، وضع في نفسك محبة نفسك وشفقة عليها وعطفاً، وهي تلك الشهوة التي وافقتك فالتذذت بها، فأنزل سائر العبيد من نفسك منزلة نفسك؛ فإن نفسك عبد لله، وهؤلاء عبيد الله، فإذا حكمت هذين؛ فأنت السابق إلى ظل الله غداً، وعيشك في الدنيا عيش أهل الجنان، ولا يقوى على هاتين الخصلتين إلا عبد قد سقطت من قلبه منزلة نفسه، ومنزلة دنياه، ولها قلبه عنهما، فشغف بمولاه.ثم قلت: هذا عبد نبه من رقدة الغافلين، فانتبه عن ربه، وأشرق في صدره النور، فوقف بقلبه على جلال الله وعظمته، وعلى جماله وبهائه، وعلى كبريائه وسلطانه، فصارت دنياه عنده في الدقة أقل من جناح بعوضة، وصارت نفسه عنده قبضة من تراب؛ لما أشرق في صدره من نور جلاله وعظمته، ووردت على قلبه من محبة الله، والحلاوة التي وجد لها ما أسكرته وألهته عن محبة نفسه ودنياه، وما يؤمن به إلا كل مؤمن قد امتحن الله قلبه للإيمان، وقليل ما هم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 813
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
