حدثنا المخزومي، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله.فالحب هيجه للسؤال عن قيام الساعة؛ فقد علم: أن لقاء العبد سيده على الصفاء والشفاء هناك بعد قيام الساعة، وهاهنا لقاء القلوب على المزاج، فقلق، وضاق بالحياة ذرعاً، فسأل عن الساعة متى تقوم؟ استرواحاً إليها، وإنما سأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعددت لها؟)) تطلعاً لما يحن ضميره، وتعرفاً للذي حمله عليه من السؤال، من أي معدن هاجت هذه الكلمة، فكان هذا السائل فيما أحسب من المشتاقين.ألا ترى أنه لم يذكر من عدته شيئاً من أعمال البر، وإنما ذكر الذي كان بين يدي قلبه، وما اعترض به في صدره، فأجابه على ما وجده عليه، فقال: ((أنت مع من أحببت)).والموحدون كلهم يحبون الله، ولكن ذاك حب إيمان، فذاك حب لا يقلق، ولا يجيش به صدره أن الغالب عليه نفسه، ودنياه وشهوته، وإنما يقلق ذلك ويجيش صدره إذا فاته شيء من شهواته ونهماته من دار الدنيا، فذاك إنما يعد للساعة حسناته، وأعمال بره عدةً يرجو بها الثواب من الله، حتى إذا ورد القيامة، حصلت سرائره، وبلي خبره، واقتضى صدقه في الأعمال، فإن وجد صادقاً في ذلك، أثيب، وأكرم على قدره، وإن وجد كاذباً، رمي به في وجهه كالثوب الخلق، فهو موقوف في العرصة، يرجو بأعماله النجاة من النار، والنوال، والثواب في الجنان، حتى تخلص حسناته، وتصفى، ثم يوزن بالسيئات، فإن فضل له شيء، أعطي بقدر ما فضل.وهذا السائل: قد كانت الأشياء كلها تلاشت عن قلبه في جنب معبوده، فلحبه إياه جيشان وغليان في صدره، فكان ذلك عدته، فلذلك قال: ((أنت مع من أحببت)).وصاحب هذه القصة أشدهم اجتهاداً، وأصفاهم عملاً، وأخلصهم قلباً، وأطهرهم إيماناً، وأبعدهم من كل ريبة وريب، وأخلقهم بمعالي الأخلاق، وأنزههم عن مدانيها؛ لأن حبه لا ينال إلا محبوبه، ومن قبل أن ينالوا حبه أحبهم، فأحبوه.ألا ترى إلى قوله -جل ذكره-: {فسوف يأتي الله بقومٍ يحبهم ويحبونه}.فبدأ بحبه إياهم، ثم بحبهم له، ثم وصف أخلاقهم، وشمائلهم، فقال: {أذلةٍ على المؤمنين أعزةٍ على الكافرين}.يذل على عبده المؤمن لحقه ويرزق له، ويعطف عليه، ويحب له ما يحب لنفسه، ويحوطه وينصحه، ويعز على الكافر، وعلى باطله، فإنما يعز بالله على الباطل، فيقهره {يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم}.فمن حبهم إياه دق شأن الخلق، فذمهم، ومدحهم في جنبه، قال: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}. يعلمك أن هذا الحب إنما نالوامن فضله، {والله واسعٌ} فضله للكل، ولكنه {عليمٌ} بمن يستحق، ومن هو أهله، فـ {يختص برحمته} للفضل {من يشاء}.وإذا فتح الله قلب عبد، وأشرق النور في صدره، وانتبه عن غفلته، فمحال أن لا يجيش صدره بحب مولاه، حتى ينسى في حبه كل مذكور، ويلهو عن كل شيء سواه، كما قال الحسن -رحمة الله عليه- فيما روي عنه: حقٌّ على من قد عرفه أن ينكر كل شيء سواه.معناه: كأنهم يصيرون عند ذكره بالحالة التي لا يعرفون أحداً سواه.وهذا كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لا يبلغ أحدكم ذروة الإيمان حتى يكون الناس عنده مثال الأباعر في جنب الله، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون لها أحقر حاقرٍ)).ومما يحقق قول الحسن -رحمة الله عليه-، ويكشف عن معناه:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 784
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
