حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا موسى ابن سليمان القرشي الصوفي، عن بقية بن الوليد، قال: كتب إلي عبد الملك بن مهران، قال: حدثني أبو أمية بن يعلى الثقفي، عن عمرو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نظر الرجل إلى أخيه على شوقٍ خيرٌ من اعتكاف سنةٍ في مسجدي هذا)).فالاعتكاف في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مضاعف كتضعيف الصلاة.وروي عنه أنه قال: ((صلاةٌ في مسجدي تعدل ألف صلاةٍ فيما سواه)).فإذا كانت الصلاة الواحدة في مسجده تعدل بألف صلاة فيما سواه، فاعتكاف سنة في مسجده تعدل باعتكاف ألف سنة في سائر المساجد، جعل هذا النظر على شوق منه خيراً من هذا الاعتكاف الذي ذكر.والاعتكاف: هو إقبال العبد على الله، والتخلي عن الدنيا وشهواتها، وعن التردد في ساحات العيش، قد حبس نفسه على خالقه عبداً، مانعاً لنفسه عن الانبساط والتفسح في يسير العيش، مقبلاً على ربه في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضع مهاجره، ومبوأ الإسلام، والنظر على شوق أكبر من هذا؛ لأن المؤمن لما انتبه بقلبه فعرف ربه؛ اشتعل نور اليقين في قلبه، فانكشف له الغطاء عن جلاله، وعظمته، وجماله، وبهائه، ومجده اشتاق إليه، فلم يزل يدوم له الشوق حتى قلق، وبرم بالحياة، وضاق به ذرعاً، فإذا نظر إلى الكعبة، استروح إليها؛ لأنها بيته، وإذا نظر إلى القرآن، استروح؛ لأنه كلامه، وإذا نظر إلى السلطان، استروح؛ لأنه ظله.وإذا نظر إلى أخيه المؤمن، استروح؛ (لأنه وليه وخليفته وحبيبه، وفيه سيماء نوره) قد أشرق في وجهه، فتلك النظرة على شوق منه إلى خالقه خير من اعتكاف سنة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإقباله على ربه، رافضاً لشهواته، ومانعاً لنفسه، حبيساً على ربه؛ لأن هذا بإقباله على ربه، وحبسه نفسه عليه تحرس نفسه بذلك من الآفات، وينتظر منه الرحمة.وهذا الآخر قد حاز هذه اللحظة، فهو عطشان بطشان من ظمأ الشوق، قد أسكرته محبته عن جميع الدنيا، وأذهلته آماله فيه عن جميع مناه في الدنيا، وأقلقته بقية أنفاسه، يتمنى أن يكون مئة ألف نفس قاضية في نفس واحد، حتى يطير بروحه إلى الله، فهو في محبسه يتردد، ويطلب آثار من قد اجتباه بمشيئته، وجعله أهلاً لجنابه من بين خلقه، وسبى قلبه بنوره، وقد انقطع طمعه من أن يراه، وهو ينادي في خلال ذلك: ارحم من تراه ولا يراك؛ لأنه قد سبق إلى ذلك كليم الله رأس المشتاقين لما من عليه بالكلام، طمع في الرؤية، فآيسه، وأعلمه سبب المنع كالمعتذر، فقال: {لن تراني}؛ أي: إنك لا تقدر على ذلك، {ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني}.وكذلك فعل الحبيب للحبيب، إذا سأله حاجه، ولا طاقة له بها، ولا يقوم لها، وإن الحاجة تضيع؛ أقام لنفسه عذراً، ولم يوحشه بالرد، فالمؤمن: يطلب الآثار شوقاً إليه، فأحد الآثار: كلامه، والآخر: كعبته، والآخر: المؤمن.ومنه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله عز وجل أعطى المؤمن ثلاثاً: المقة، والملاحة، والمودة، والمحبة في صدور المؤمنين)) ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً}.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 775
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
