حدثنا الفضل بن محمدٍ، قال: حدثنا عمرو ابن عثمان بن سعيد بن كثيرٍ الحمصي، قال: حدثني أبي،قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: سمعت عبد الله ابن بسرٍ يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((طوبى لمن وجد في كتابه استغفارٌ كثيرٌ)).وقد وصفنا أن المغفرة هي الستر:فمنهم: من لا يستر عليه في أيام الحياة، فإذا صار إلى ممره على النار، ستر؛ لئلا تصيبه النار.ومنهم: من ستر عليه هاهنا، وستر عليه هناك إذا مر عليها، ولم يستر عليهم في العرض.ومنهم: من ستر عليه في العرض عند الملائكة، فأدخل الحجب على ربه، وخلا به ربه في السؤال، فلقي شدة الحياء.ومنهم: من ستر في الحجب عن نفسه، حتى لا يراها فيستحيي.ومنهم: من ستر عليه ستراً، لا يذكرها حتى يذهب عنه ذكرها، فذاك ستر بينه وبين العبد، يستره عن علمه فيه، حتى لا يخجل، كما ستر أهل الجنان بالأنس به، إذا ذكروا ذنوبهم، لم يخجلوا، ولم يثقل عليهم ذكرها، حتى إنه ليقول لبعضهم: يا فلان! أتذكر غدرتك يوم كذا؟فلو كان له في ذلك أذى أو خجل، لم يذكر له ذاك؛ لأنه في دار الثواب، ولا تنغيص لثوابه؛ لأنه أثابهم بدار فيها فرح دائم، وسرور دائم، فلو تنغص عليهم ببعض ما يتأذون؛ لكان في ذلك ارتجاع، والله لا يرجع في مواهبه، فكيف يرتجع في مثوبته؟فإن المواهب لا عن عوض، والمثوبة عن عوض قد كان من العبد أيام الدنيا، وهي العبودة، فستر الله أهل الجنان بأنسه، فهي مغفرتهم حتى لا يخجلوا من ذكر ذنوبهم، وستر الأنبياء في الموقف في موضع الحساب، حيث يخاف الناس، وتطير الأفئدة وتزلزل القلوب، فسترهم بأنسه، وكذلك ستر الأولياء من بعدهم في الموقف بأنسه، {فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون}.فكل من كان في الدنيا من الأنس به أوفر حظاً، كان ستره هناك من ذنوبه أكثف وأشد، وذكره عليه أيسر، وأنسه بالله أكثر، وأنس العبد بالله منالاحتظاء من جماله، وهيبته له من الاحتظاء من جلاله، فإذا كان قلبه عنده في ملك الجمال، فالغالب عليه الأنس، وإذا كان قلبه عنده في ملك الجلال؛ فالغالب عليه الهيبة، وجزاء الهيبة منه اليوم الأمن غداً، وجزاء الأنس به اليوم الأمل غداً.وصنف من الأولياء أعلى من هذين الصنفين، وهم المحدثون قد قربوا من محل الأنبياء، فقلوبهم عنده في ملك ملكه قد جاوزت ملك الجلال والجمال إلى فردانيته، فانفردوا به في وحدانيته.وهم الذين وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيروا، سبق المفردون))، قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: ((الذين أهتروا في ذكر الله، يضع الذكر أثقالهم)).يأتون يومئذ خفافاً، فهم أمناؤه في أرضه، قلوبهم في ملك الملك في تلك الخلوة التي قد انقطع علم الصفات عندها، فلا يوصف ما في قلوبهم أيام الحياة.فالبهتة قد ملكتهم، فجزاؤهم غداً الدالة، وكذلك معاملة هذه الأصناف الثلاثة إياه، وعبودتهم له، فصاحب الهيبة في عبودته، ومعاملته من الفرق كالميت، في كل أمر من أموره على هول عظيم، وخطر عظيم، وصاحب الأنس في عبودته، ومعاملته قد خف ذلك عنه؛ لما يأمل منه من عطفه، ورأفته به، وتحنينه عليه، فالأمل لديه خفف عنه ذلك حتى مر فيها منبسطاً، وصاحب الهيبة مر فيها منقبضاً، وصاحب البهتة أمنته، فهو كالمطمئن، وإنما اطمأن؛ لأنه صار في قبضته، فهو يستعمله، فباستعماله أشرف على الأمور، فهو كالمقتدر الذي قد ملك شيئاً، فملكه، فانبسط في الأمور، فهو الذي يدل في الدنيا، وهو الذي يدل في الآخرة، فالأمين هو الذي بسطه الملك، فانبسط، وصاحب الأنس إنما بسطه الأنس، فشتان بين من بسطه الملك، وبين من بسطه الأنس بالملك.رجعنا إلى ذكر المغفرة، فقلنا:إنها درجات، وقد غفر الله لرسوله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وقد غفر لمن بعده في أعمال بر عملوها لا تخلو من ذلك، وإن كان لم ينصه باسمه، وإنما ذكر العمل، فليست هذه المغفرة التي وعد العمال مغفرة الرسول، والمغفرة الستر، فلا يضم مغفرة العمال إلى ستر الرسول، وقد وعد الله المؤمنين المغفرة في غير آية من تنزيله، فليست كمغفرة الرسول، ولو كان كذلك، لم يكن الرسول مفضلاً بذلك إلا بالبشرى عجله له،فمن ظن أن الفضل الذي فضل به تعجيل البشرى فقط؛ فقد قل علمه وغاب فهمه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 772
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
