حدثنا أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحسن بن سوارٍ البغوي، قال: حدثنا موسى بن علي بن رباحٍ، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثله.فالساقط عن قلبه محسبة الرزق: من أين، وكيف، ومتى؟ يؤتى برزقه عفواً صفواً، وتقواه معه، وعلى رزقه طابع الإيمان، فهنيئاً له، وإن لم يتهنأ به هذه الطبقة، فمن؟والمتعلق بأسباب الرزق، قلبه جوال، ونفسه خشعةٌ، فإن لم تدركه عصمة الله، فهو كالهمج في المزابل، يطير من زبل إلى زبل، حتى يجمع أوساخ الدنيا، ومزابلها، ثم يخلفها وراء ظهره، وينزع قابض الأرواح مخالبه التي قد احتدت للقبض على حطام الدنيا، ويلقى الله بإيمان سقيم، قد دنسه، ووسخه، فكأنه يقول له في وقفته بين يديه: عبدي! من كنت تعرف لنفسك رباً وإلهاً؟ فيقول: إياك عرفت يا إلهي، وبك آمنت، فكأنه يقول له: أفمن معرفتك إياي وإيمانك كان يحل بك من خوف فوت الرزق والمعاش ما كنت مطلعاً عليه؟ حتى حملك الخوف على أن عصيتني بأنواع المعصية، في سببه شككت في ضماني، أم اتهمتني، أم أسأت بي الظن؟فمن فتح له طريق الهداية إلى الله، وعرف ربه معرفة الموقنين، سقط عن قلبه همة الرزق، وفكره ومحبوبه، ولها عنه، وشغله عن ذلك خوف جلاله وعظمته، وكفي مؤنته.ومن لم يفتح له طريق الهداية إلى الله، وعرف ربه معرفة الموحدين، تعب قلبه بما يرد عليه من المخاوف، ونصب له لما يتعاوره ظنون السوء بالله، وكل بدنة في السعي يهرول خلف زانية لا تمنع يد لامس، وهي أبداً تتزين، وتتشوق، حتى إذا سبت قلباً، ولت هاربة، والمسيء على أثرها كالواله، وهذا جزاء من أعرض عن الله، وعن إحسانه، ومننه، وأياديه، {وهل نجزي إلا الكفور}.مكباً على جمع الحطام، مكتسباً مقتبساً أوساخها وأدناسها من بين شبهة، وحرام، وحلال، قد عصى الله في جنبه عدداً لا يحصيه، وحقوق الله قد منعت أهلها، يجمع قماش المكاسب ورديئها، وينفقها في شهواته، ومناه، على مهواه، مضيعاً لحدود الله فيها، مسرفاً بطراً، فهم المطرودون عن باب الله، خوف الرزق على قلوبهم أمثال الجبال، يأخذون الدنيا على غفلة، ويخزنونها على التهمة، وينفقونها في التهمة، ولا يذكر أن أمامه النار، وصراطاً دقيقاً إنما قد من أجله ولمثله، وعرض على مالك الملوك في هول عظيم وسؤال، ونسي وعيده الذي قدمه إليه.{كلا إنها لظى. نزاعةً للشوى. تدعوا من أدبر وتولى. وجمع فأوعى}.{كلا بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضون على طعام المسكين. وتأكلون التراث أكلاً لما. وتحبون المال حباً جماً. كلا إذا دكت الأرض دكاً دكا. وجاء ربك والملك صفاً صفا. وجيء يومئذٍ بجهنم يومئذٍ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى. يقول يا ليتني قدمت لحياتي. فيومئذٍ لا يعذب عذابه أحدٌ. ولا يوثق وثاقه أحدٌ}.ثم ذكر من كان بخلاف هذه الصفة، فقال:{يأيتها النفس المطمئنة. ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً. فادخلي في عبادي. وادخلي جنتي}.فإنما يقال هذا للنفس المرضية، ورضيت عن الله -تبارك وتعالى-، فرضي الله عنها، قنعت بما أعطيت من الدنيا، ولم ترفع بما سواها رأساً، ورضيت في الأحوال بتدبير الله -جل ذكره وحكمه-.وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((من انقطع إلى الله، كفاه الله مؤنته، ورزقه من حيث لا يحتسب)).وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((التاجر الصدوق مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين)).فإنما لحق بدرجتهم؛ لأنه قد احتظى بقلبه من النبوة والصديقية والشهادة.1 - فالنبوة: انكشاف الغطاء.2 - والصديقية: استواء سريرة القلب بعلانية الأركان.3 - والشهادة: احتساب المرء بنفسه على الله، فيكون عنده في حد الأمانة في جميع ما وضع عنده من الجسد والروح والمال والأهل، والولد لا يخونه في ذلك، وهو أن لا يتلكأ في رده إذا استرد منه.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 691
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
