حدثنا الجارود، قال: حدثنا أبو غسان، عن الحارث بن عبيدٍ، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبيه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((جنات الفردوس أربعٌ: جنتان من فضةٍ آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهبٍ آنيتهما وما فيهما))، فذكر بمثله.فهذا تأويل قوله -جل ذكره-: {ولمن خاف مقام ربه جنتان}، فوصفهما، ثم قال: {ومن دونهما جنتان}، فوصفهما، فوصف الجنتين الأوليين بأنهما: {ذواتا أفنانٍ}؛ أي: ذواتا ألوان؛ أي: فيهما فنون الأشياء، ثم ذكر العيون، فقال: {فيهما عينان تجريان} فوصف العينين بالجري، ثم ذكر فرشهما، فقال: {بطائنها من إستبرق}، فذكر البطائن.قال ابن مسعود رضي الله عنه: فما ظنكم بالظهائر؟ فقالوا: هو من نور، فذكر أنهم متكئين على تلك الفرش، وجنى تلك الثمار دان؛ أي: قريب مجتنى من حيث هو؛ أي: يدنو منه الغصن حتى يتناوله من قرب إن شاء قائماً، أو إن شاء قاعداً، أو إن شاء مضطجعاً كما قال في آية أخرى: {وذللت قطوفها تذليلاً}.سخر الله لهم كل شيء حتى يتمكنوا منه كيف شاؤوا، ثم ذكر الأزواج، فقال: {فيهن قاصرات الطرف}؛ أي: قصر طرفهن عن جميع الخلق إلا عن أزواجهن، فلم يعاين ذكراً، وإن عاين، لم يهوين إلا أزواجهن.{عرباً أتراباً}؛ أي: عواتق.والعرابة: التحمس في كلام العرب.أتراباً: أي لدات، وأزواجهن في سن واحد.ثم قال: {لم يطمثهن أنسٌ قبلهم ولا جانٌ}.أي: لم يقربهن ولم يأتهن واحد من الصنفين.ثم وصف أجسادهن، فقال: {كأنهن الياقوت والمرجان}.أي: في صفاء الياقوت، وبياض المرجان، وهو الكبار من اللؤلؤ.ثم قال: {ومن دونهما جنتان}.أي: دونهن إلى العرش؛ أي: أقرب وأدنى إلى العرش، فوصفهما، فقال: {مدهامتان}.أي: خضراوان تضربان إلى السواد، والدهمة من ذي الخضرة.ثم وصف العينين، فقال: {عينان نضاختان}.النضخ أكثر من الجري؛ أي: ترميان بألوان الفاكهة والنعيم، والجوار المزينات، والدواب المسرجات، والثياب الملونات.ثم وصف الثمار، فقال: {فيهما فاكهةٌ}.وإنما سميت فاكهة؛ لأنها تعجب الناظرين، ويتفكه بها، فهذا أكثر؛ لأن الأوليين لم يصفهما إلا بقرب الجنى فقط، وهاهنا ذكر الفاكهة والنخل والرمان.ثم ذكر الأزواج، فقال: {فيهن خيراتٌ حسانٌ}.فالخيرة: ما اختارهن الله، فأبدع خلقهن باختياره، فاختيار الله لا يشبه اختيار الآدميين.ثم قال: {حسانٌ} وصفهن بالحسن، فإذا وصف خالق الحسن شيئاً بالحسن، فانظر ما هناك، وفي الأوليين ذكرهن بأنهم قاصرات الطرف، وكأنهن الياقوت والمرجان، فانظر كم بين الخيرة، وهي مختارة الله، وبين قاصرات الطرف.ثم قال: {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}.فوصفهن بأنهن قاصرات أجسادهن، وأشخاصهن عن الأبصار.فبلغنا في الرواية: أن سحابة مطرت من العرش، فخلقهن من قطرات الرحمة، ثم ضرب على كل واحدة منهن خيمة على شاطئ الأنهار سعتها أربعون ميلاً، ليس لها باب، إذا حل ولي الله بالخيمة، انصدعت الخيمة عن باب؛ ليعلم ولي الله أن أبصار المخلوقين من الملائكة والخدم لم يأخذها، فهي مقصورة، قد قصرت عن أبصار الخلق، وفي الأوليين هن قاصرات، قصر طرفهن عن الأزواج، ولم يذكر أنهن مقصورات، ثم ذكر اتكاءهن، وقال: {متكئين على رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍ حسانٍ}.فالرفرف: أعظم خطراً من الفرش، فذكر في الأوليين {متكئين على فرشٍ بطائنها من إستبرقٍ}، وهاهنا: متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان، فالرفرف هو مستقر الولي على شيء إذا استوى عليه الولي رفرف به؛ أي: طار به هكذا وهكذا حيثما يريد كالمرجاح، وأصله من رفرف بين يدي الله تعالى.وروي لنا في حديث المعراج: ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بلغ سدرة المنتهى، جاءه الرفرف، فتناوله من جبريل، فطار به إلى سند العرش، فذكر أنه طار بي، يخفضني ويرفعني، حتى وقف بي على ربي، ثم لما حان الانصراف، تناوله، فطار به خفضاً ورفعاً يهوي به، حتى أداه إلى جبريل -صلى الله عليهما-، وجبريل يبكي، ويرفع صوته بالتمجيد)).فالرفرف: خادم من الخدم بين يدي الله، له خواص الأمور في محل الدنو والقربة، كما أن البراق دابة يركبها الأنبياء مخصوصة بذلك في أرضه، فهذا الرفرف الذي سخره لأهل الجنتين الدانيين هو متكؤهما وفرشهما، يرفرف بالولي على حافات تلك الأنهار وشطوطها حيث شاء إلى خيام أزواجه الخيرات الحسان.ثم قال: {وعبقريٍ حسانٍ}.فالعبقري: ثياب منقوشة تبسط، فإذا قال خالق النقوش: إنهاحسان، فما ظنك بتلك العباقرة؟والعبقر: قرية بناحية اليمن فيما بلغنا تنسج بها بسط منقوشة، فذكر الله ما خلق في تلك الجنتين من البسط المنقوشة الحسان والرفرف الخضر، وإنما ذكر لهم من الجنان ما يعرفون أسماءها هاهنا، فبان تفاوت هاتين الجنتين.وقد روي عن بعض المفسرين، فإذا هو يشير إلى هاتين الجنتين:{من دونهما}؛ أي: أسفل منهما وأدون، فكيف تكون مع هذه الصفة أدون؟ فحسبته لم يفهم القصة، ثم قال: {تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام} كأنه يريد: الاسم الذي افتتح به السورة، فقال: {الرحمن}، فافتتح بهذا الاسم، فوصف خلق الإنسان والجن والشياطين، وخلق السماوات والأرض وصنعه، وأنه كل يوم هو في شأن، ووصف تدبيره فيهم، ثم وصف يوم القيامة وأهوالها وصفة النار، ثم ختمها بصفة الجنة، قال في آخر الصفة: {تبارك اسم ربك}؛ أي: هذا الاسم الذي افتتح به السورة كأنه يعلمهم أن هذا كله خرج لكم من رحمتي، فمن رحمتي خلقتكم، وخلقت لكم السماء والأرض والخلق والخليقة والجنة والنار، فهذا كله لكم من اسم الرحمن، فمدح اسمه.ثم قال: {ذي الجلال والإكرام} جليل في ذاته، كريم في فعاله.وأما قوله: ((وما بين القوم، وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياءفي جنة عدنٍ))، فإنما وصف هذه الجنان الأربع، فقال في الحديث: ((جنان الفردوس)).فالفردوس: جنان الأنبياء والأولياء بقرب جنات عدن، والفردوس سرة الجنة ووسطها، كذلك روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.وجنة عدن: دار الرحمن، ومقصورته، والفردوس جنات عدن، فعدن كالمدينة، والفردوس كالقرى حول المدينة، فإذا تجلى لأهل الفردوس، رفع الحجاب، وهو الذي ذكره في الحديث: رداء الكبرياء، فينظرون إلى جلاله، وجماله، فكأنه أخبر في هذا الحديث أن حجابه في جنة عدنٍ رداء الكبرياء.وأخبرني في حديث آخر رواه أبو موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((حجابه النار، لو كشفها، لأحرقت سبحات وجهه كل شيءٍ أدركه بصره)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 552
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
