حدثنا أبو بكر بن سابقٍ الأموي، قال: حدثنا أبو مالك الجنبي، عن جويبرٍ، عن الضحاك، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يذكر من مناجاة موسى عليه السلام: أنه قال: ((يا موسى! إنه لن يلقاني عبدٌ في حاضري القيامة إلا فتشته عما في يديه، إلا ما كان من الورعين، فإني أستحييهم، وأجلهم وأكرمهم، وأدخلهم الجنة بغير حسابٍ)).فمن استحيا من الله في الدنيا مما صنع، استحيا الله عن تفتيشه، وسؤاله، ولم يجمع عليه حياءين، كما لا يجمع عليه خوفين، فإذا صار العبد إلى العرض الأكبر، وقد ستر مساوئه بمحاسنه، قبله ربه في ستره عليه، وستر عليه علمه فيه عنه، حتى يذهب حياؤه، فهو في ستر محاسنه عن الملائكة والأنبياء وجميع الخلق (حتى لا يستحيي من الخلق، فهو في ستره عن نفسه) حتى لا يستحيي منه.فهذا تفسير قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكيسهم: أكثرهم ذكراً للموت،وأحسنهم له استعداداً)).لأنه كلما ذكر الموت، علم أنه قطاع حائل هيجه للأسمار، والهرب من كل مصيبة، وأما الاستعداد؛ بأن يكون قد جانب التخليط مجانبة لا يحتاج إلى استمهال إذا فاجأه أمر الله، وجاءته دعوته، فيقول: أمهلني حتى أتوب، وأصلح أمر كذا.وأما حسن الاستعداد: فبأن يكون قد استعد للقائه، والعرض عليه، وقد علم أن الموت يؤديه إليه فتطاب روحه وقلبه ونفسه، فأما روحه، فبالطاعة، وأما قلبه، فبالله، وأما نفسه، فبتجنب الشهوات، والمنى، ورفض التدبير لنفسه، وتفويض ذلك كله إلى خالقه، وهذا صفة أهل اليقين، الذين ذكرهم الله في تنزيله فقال: {الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلامٌ عليكم}.فتسلم عليهم الملائكة من الله، وتبشرهم بدخول الجنة ساعة تفيض أرواحهم؛ أي: لا أحبس عليكم في موطن من المواطن إنما هو أن تفيض روحك فتدخل الجنة؛ أي: إنك من الذين لا حساب عليك (في الموقف؛ لأن رسلي قد جاءتك في قبضك إلي من الدنيا، فوجدتك طيباً، فجزاؤك عندي الجنة، لا حساب عليك) عند الميزان، ولا عذاب عليك عند ممرك على النار، ولا خوف عليك عند العرض الأكبر، ولا أنت تحزن لطول الحبس في تلك الخلوات في الحجب، فإنما سموا طيبين؛ لأنهم لم يبق فيهم تخليط، طابوا روحاً، وطابوا نفساً، وطابوا قلباً.والآخرون أهل تخليط، لا يقال لهم هذه الكلمة: {طبتم فادخلوها خالدينْ إلا عند باب الجنة بعدما محصوا بعذاب القبر، وأهوال القيامة، وتناول النيران منهم بلفحاتها على الصراط، والحبس في العرض الأكبر، فإذا خلي بينهم، وبلغوا باب الجنة، نودوا: {سلامٌ عليكم طبتم فادخلوها خالدين}.والذين وجدتهم الملائكة عند القبض طيبين يقال لهم في وقت فراق الحياة ولقاء الرب: سلام عليكم، ولا يقال لهم: طبتم، فقد كانوا طابوا من قبل مجيء الرسل.وأما قوله: ((إذا دخل النور في القلب، انفسح وانشرح واستوسع))، فدخول النور في القلب، والانفساح في الصدر، فإن الصدر بيت القلب، ومنه تصدر الأمور، والنور في القلب، ومنه ينفسح الصدر، وينشرح، ويتسع، وإنما صار هكذا؛ لأن الصدر كان مظلماً بالشهوات المتراكمة فيه، والأماني، والفكر، والعجائب، عجائب النفس، ودواهيها، فكان يضيق بأمر الله؛ لأن أمر الله كان خلاف منيته، وهواه، فلما قذف النور فيه، نفى الظلمة، وأشرق الصدر بالنور الواسع، واتسع فيه أمر الله، ونصائحه، وآدابه، ومواعظه، فسئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن علامته في الظاهر، فإن الذي ذكر إنما ذكر في الباطن، فقيل: ما علامته في الظاهر، حتى يعرف أنه من هذه الطبقة؟فذكر ثلاث خصالٍ، فقال: ((الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزول الموت)).فأما (الإنابة إلى دار الخلود): فهي أعمال البر؛ لأن الخلود إنما وضعت جزاءً لأعمال البر، ألا ترى كيف ذكر الله في مواضع في تنزيله، ثم قال يعقب ذلك: {جزاءً بما كانوا يعملون}؟فالجنة جزاء الأعمال، فإذا انكمش في أعمال البر، فهو إنابته إلى دار الخلود، وإذا خمد حرصه على الدنيا، ولها عن طلبها، وأقبل على ما يعينه منها، فاكتفى به، وقنع، فقد تجافى عن دار الغرور، وإذا أحكم أموره بالتقوى، فكان ناظراً في كل أمر، واقفاً متأنياً متثبتاً حذراً، يتورع عما يريبه إلى ما لا يريبه، فقد استعد للموت، فهذه علامتهم في الظاهر، وإنما صار هكذا لرؤية الموت، ورؤية صرف الآخرة على الدنيا، ورؤية الدنيا أنها دار الغرور، وإنما صارت له هذه الرؤية بالنور الذي ولج القلب.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 545
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
