حدثنا عبد الجبار، قال: حدثنا سفيان، عن خالد بن أبي كريمة، عن أبي جعفرٍ عبد الله بن أبي المسور، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه.وزاد فيه: ((ثم قرأ: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه}.قال أبو عبد الله: فالموت عاقبة أمور الدنيا.فالكيس من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها، فإنما عمي عنها بحجب الشهوات التي قامت بين يدي قلبه، فافترصته، فافتضته إنجازها، وجاءت الأماني بمواعيدها الكاذبة المختلفة، فجرته، تقول الشهوة: خذني إليك، وتقول الأمنية الكاذبة: خذها ثم تتوب، والله غفور للمذنبين، وحبيب التائبين، فهذه حجبٌ كثيفة دون العاقبة، فكيف يراها؟فالكيس من سعد بجميل نظر الله، فأعطي النور الزائد على نور الموحدين، وهو نور اليقين، وذلك أن نور التوحيد في القلوب، وفي الصدر دخان وظلمة من الشهوات، فإذا جاء هذا النور، هتك الحجب، فسكن الدخان، وانقشعت الظلمة، واستنار الصدر، فاستقر النور، فقيل: يقين، فبذلك أبصر الموت، وهو عاقبة الأمر، فرآها قاطعةً لكل لذةٍ وشهوةٍ، وحائلةً بينه وبين كل أمنيةٍ، ورآها أنفاساً معدودة، لا يدري متى ينفد العدد، فصار على خطرٍ عظيمٍ من أمره، حتى لا يدري متى يبعث بالأمر، فركبه أهوال الخطر، فأذهله عن ذلك، فانكسر قلبه، وذبلت نفسه، وخمدت نار شهوته، واكفهر بالحق في وجه أمنيته.وقال: تريدين أن تغويني؟! ولعل في وقت قضاء شهوتي في مساخط الله أعافص بأمر الله، وأبعث، وأنادى بدعوته، ولابد من الإجابة في أسرع من اللمحة، فإذا أنا بين يديه قائم في أيدي ملائكة قد رحلت إليه من دار الغرور، مغتراً به، مخدوعاً عنه، مع دنس المعاصي، وقبح الآثام، فلا وصول إلى توبةٍ، ولا أجد مهلة لأتوب، فيكون مقدمي عليه مقدم العبيد الإباق، الذين ردوا إلى مولاهم، فيحكم فيهم بحكم الإباق.وقد قال الله -جل وعز- في تنزيله: {ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين}؛ أي: قد كانوا يحكمون لأنفسهم في دنياهم بما يشتهون، وبأن يمهلهم في ذلك، ويحلم عنهم، وهم مستدرجون في مكره، فاليوم قد ردوا إليه من هذا الإباق، ألا فاليوم له الحكم، يحكم فيهم بما يستوجبون من إباقهم، وهو أسرع الحاسبين.فالكيس من نظر بنوره الذي من الله عليه به، فأبصر أن الموت قاطعٌ لهذه الأشياء، حائلٌ بينه وبين التوبة.كما قال جل ثناؤه: {وحيل بينهم وبين ما يشتهون} حين رأوا العذاب اشتهوا الرجعة؛ ليتوبوا، فمنعوا ذلك، فامتنع من جميع ما خاف أن يلحقه غداً تبعته ووباله، فاستعد لكل ذنب توبةً، واعتذاراً واستغفاراً، وحسنة مكان كل سيئة؛ لتكون الحسنة غطاءً للسيئة، كما قد كان يعلم في ظاهر الحياة الدنيا أن الدنس من الثوب إنما يغسل بالحار من الماء وبالأشنان والغليحتى يبيض ويزايله الدنس، وكما علم في ظاهر الحياة الدنيا أن كل شيئين في الدنيا على جسد أو ثياب، إنما يستره بشيء.ألم تر إلى الماشطة إذا هيأت امرأة لزوجها كيف تهيئها؟ فإن كان شعرها قصيراً، ترملها، وإن كان بجبهتها شعر، نظفتها، وحفت شعرها، وإن كانت يدها بيضاء، خضبتها بألوان النقوش، وإن كانت مرحاء، كحلتها، وزينت وجهها بالبياض والحمرة، وطرت صدغيها، وحلتها بالقلائد والشنوف، والقرطة والأسورة والخلاخيل وألوان الثياب، وإن كان في قامتها قصر، حملتها على غرف النعال، تريد بذلك كله ستر ما شان منها، فكذلك المؤمنون يوم القيامة يوم المقدم على الله.روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الناس يعرضون ثلاث عرضاتٍ يوم القيامة، فأما عرضتان، فجدالٌ ومعاذير، وفي العرضة الثالثة: تطاير الصحف)).فالجدال: للأعداء، يجادلون؛ لأنهم لا يعرفون ربهم، فيظنون أنهم إذا جادلوه، نجوا، وقامت حجتهم.والمعاذير: لله، يعتذر الكريم إلى آدم وإلى أنبيائه، ويقيم حجته عندهم على الأعداء، ثم يبعث بهم إلى النار، فإنه يجب أن يكون عذره عند أحبابه وأوليائه ظاهراً كيلا تأخذهم الحيرة، ولذلك قيل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا أحد أحب إليه المدح من الله، ولا أحد أحب إليه العذر من الله)).والعرضة الثالثة: للمؤمنين، وهو العرض الأكبر، يخلو بهم، فيعاتبهم في تلك الخلوات؛ من يريد أن يعاتبه، حتى يذوق وبال الحياء منه، يرفض عرقاً بين يديه، ويفيض العرق منهم على أقدامهم من شدة الحياء، ثم يغفر لهم، ويرضى عنهم.ومنهم من انتبه في الحياة الدنيا، فكاد يموت حياء، ومرة فرقاً،فأعطي الأمان غداً من ذلك؛ فإنه لن يجمع ذلك على العبد في موطنين.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 543
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
