حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا أحمد ابن يونس، قال: حدثنا زهير بن معاوية، قال: حدثنا يزيد أبو خالدٍ الأسدي، قال: حدثني عون بن أبي جحيفة السوائي، عن عبد الرحمن بن علقمة الثقفي، عن عبد الرحمن بن أبي عقيلٍ، قال: انطلقت في وفدٍ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتيناه، فقال قائل منا: يا رسول الله! ألا سألت ربك ملكاً كملك سليمان؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ((فلعل لصاحبكم أفضل عند الله من ملك سليمان، إن الله لم يبعث نبياً إلا أعطاه دعوةً، فمنهم من اتخذ بها دنيا، ومنهم من دعا بها على قومه إن عصوه، فأهلكوا بها، وإن الله أعطاني دعوةً اختبأتها عند ربي شفاعةً لأمتي يوم القيامة)).فالأنبياء كانت دعوتهم مجابة، ومعنى هذا القول: لكل نبي دعوة؛ أي: حاجة، يقال له: سل ما شئت، فإن لك عندنا حاجة مقضية.فأما قوله: ((فمنهم من اتخذ بها دنيا))، فليس معناه على أنه سألالدنيا (لنفسه، وعياذ [اً] بالله أن يظن ذاك بسليمان عليه السلام، أو يظن بمحمد صلى الله عليه وسلم أن ذلك عناه، وإنما سأل الدنيا) لله؛ فقد سأل رسولنا صلى الله عليه وسلم أيضاً شيئاً من الدنيا؛ أي: لم يسأل الدنيا كلها، فسأل بعضها، فقال: ((اللهم اجعل أوسع رزقي عند كبر سني)).وقال في بعض ما أعوزته الحاجة: ((اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك)).فمن سأل شيئاً من الدنيا -وإن دق-، فكانت مسألته لنفسه، لا لله، فهو مذموم، وقد دخل في طلب الدنيا المذموم، ومن سأل الدنيا -وإن جل-، فكانت مسألته لله، فهو محمود، وليس ذلك لسؤال دنياه، ولا لطلب له، فقد سأل الأنبياء الدنيا، وطلبوها، فكان سؤالهم وطلبهم لله، فلم يذموا في ذلك، فلذلك جاز لسليمان عليه السلام أن جعل المسألة التي أوجبت له في شأن المملكة.ألا ترى أنه ذكر العبد الآخر صلى الله عليه وسلم أنه سأل إهلاك الدنيا، فقال: {لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً}.فغرقت الدنيا كلها بدعوته، وفسدت، فلو كانت الدعوة لغير الله، لكان مذموماً، ولو كان يغضب لنفسه وللدنيا، ويسأل إهلاك الدنيا، لكان مذموماً، فإنما سأل عبد مملكتها لله، وسأل عبد دمارها وهلاكها لله، فكانا محمودين مجابين إلى ذلك.فأجيب نوح، فأهلك من عليها، وأعطي سليمان المملكة، ثم قال: {هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حسابٍ}.فرفعت التبعة؛ لأنه قد جعل له من قبل السؤال حاجة مقضية، فلذلك لم يكن عليه تبعة، وأما رسولنا صلى الله عليه وسلم، فأخرها؛ لتكون تلك الحاجة له مقضيةفي اليوم الذي يعز فيه العفو، ويظهر الجود والكرم من ربنا، والحاجة في وقت الجود والكرم أعظم إنجاحاً، وأوفر حظاً منه في وقت يعطى من الخزائن وأبواب الخزائن غير مفتحة، وما يعطى لمحمد صلى الله عليه وسلم هناك، فالخلق إليه أحوج منهم من هذه الدنيا مما سأل سليمان عليه السلام؛ فإنما سأل سليمان -عليه الصلاة والسلام- مملكة الدنيا، وقد كان أبوه داود ممن عرضت عليه الخلافة، فقبلها، فقيل: {يا داود إنا جعلناك خليفةً في الأرض فاحكم بين الناس بالحق}.فكان حاكم الله في أرضه، وعرضت على لقمان، فأبى، فأعطي الحكمة، وكان حكيم الله في أرضه، قال الله تعالى: {ولقد آتينا لقمان الحكمة أن اشكر لله}.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 433
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
