حدثنا بذلك عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا يحيى بن سليمان الجعفي المصري، عن ابن وهبٍ، قال: أخبرني حرملة، عن عبد الله بن أبي جعفرٍ {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} أي: لفروجهم.فهذا يحقق تأويل قوله: لأنهم اشتد عليهم شأن الفروج، فالعار فيه أكثر، فرجعوا باللوم على الفروج، ولم يقل: قالوا لسمعهم وأبصارهم،فإنما لاموا من اشتد عليهم بأن قالوا: {أنطقنا الله الذي أنطق كل شيءٍ وهو خلقكم أول مرةٍ وإليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيراً مما تعملون. وذلك ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم}؛ أي: أهلككم، {فأصبحتم من الخاسرين}.قال الله -تبارك وتعالى-: {فإن يصبروا فالنار مثوىً لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين}.فأخبر أن الجوارح تشهد، ثم بين على من تشهد، وهم الذين لم يعرفوا الله؛ حتى ظنوا أنه لا يعلم أعمالهم، ثم أخبر أن الذين أهلكهم هو ظنهم بالله ما هو منزه عن ذلك، فالمؤمن مستيقن أنه لا يخفى على ربه وزن خردلة، ولا مثقال ذرة في برها وبحرها، وفي ظلمات الأرض من لحظة أو طرفة أو فكرة أو حركة عرق، فهو معتذر إلى ربه من ذلك، مستغفر وتائب نادم، وإن مات على غير توبة، فهو منكر بقلبه، وإيمانه لا يدعه حتى ينكره، وإن دق وخفي، فإنما أنكره، من أجل أن ربه عالم به، وإذا أنكره، ساءته سيئته، وسرته حسنته.فالإيمان يعمل فيه حتى يسوءه ويسره، والمؤمن حبيب الله ووليه،والكافر بغيض الله وعدوه، فالمطيع من المؤمنين هو بمكانه ومحله منه، والمخلط الذي قد أحسن وأساء في سيره إلى ربه لم يخرج عن محبته وولايته، ولكنه بذنوبه واجد عليه وكالمعرض عنه، ثم يرحمه في آخر أمره في وقت الإعراض عنه، (ولم يشك طرفة عين، فإن الله سبحانه وتعالى مطلع على سريرته وعلانيته، ففي وقت الإعراض عنه) لا يهتك ستره، ولا تنطق جوارحه بفضيحة، وإنما تنطق جوارح من أنكر أن الله لا يعلم ذلك، وجحده يومئذ، فتنطق جوارحه حتى تفضحه، ويعلمه أنه قد علم ذلك، وأنه هو الذي أنطقهن؛ لأنه ليس من شأن الجوارح النطق، فإذا أنطقهن، علم أنه هو الذي أنطقهن، وقد علم بذلك، وإنما يعامله بمثل هذه الأشياء؛ لأن الكافر يومئذ لا يعرف ربه، فهو يقول: رب، ويا رب، ولا يعرفه، ولو عرفه، لم يجحده.ألا ترى أنه يقول يومئذ: {والله ربنا ما كنا مشركين} فإنما يعرفه معرفة المشركين، لا معرفة الموحدين.(وفرق أبو عبد الله -عليه رحمة الله- بين المعرفتين)، وقال: إن معرفة المشركين معرفة الفطرة التي فطر الناس عليها، فليس لأحد أن ينكره،ومعرفة المؤمنين معرفة الآلاء، وهو التوحيد والتنزيه.قال الله تعالى: {وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون}. وقال: {لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون}. {قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم} {قل من بيده ملكوت كل شيءٍ}، {سيقولون لله قل فأنى تسحرون}. فسحرتهم أهواؤهم، وانقلبت بهم عن الله منكوسين، لم يتفضل الله عليهم، ولا من عليهم بنور التوحيد، {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نورٍ}.فأحيا الله قلوب المؤمنين وهي ميتة بأن جعل له نوراً يمشي في الناس إلى الله كما وصف في تنزيله فقال: {أو من كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً} الآية.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 408
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
