حدثنا الجارود بن معاذٍ، قال: حدثنا سعيدٌ القداحي، عن مروان بن سالمٍ، عن العرزمي، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما، قال: أول ما يجازى به العبد أن يغفر لمن صلى عليه. قال سعيد: يعني: أهل الجنازة.والتحفة عندنا: هي الطرفة، والهدية: هي العطية، ومعناهما قريبٌ، إلا أن بينهما فرقاً في نكتة.فالهدية: ما تعطيه لتستميل به، والهدي: الميل، ومنه قوله: مشى يتهادى؛ أي: يتمايل، ومنه سمي الهدي؛ لأنه يميل بقلبه إليه.والطرفة: هي الشيء تعطيه بعد الاستمالة، وبعد أن صار له ولياً وثقةً، فهو يطرفه بشيءٍ يريد أن يحليه بذلك، كالسكر على رأس الأرز، (ونحوه، فالأرز طعام، والسكر حليته وطرفته، يريد بذلك بره، فذلك البر أعظم من الأرز))، ومن جميع تلك الأطعمة بن يديه.فكذلك المؤمن قد أعد الله له دار السلام مستقراً ومسكناً دائماً ملكه فيها، ثم هو -تبارك وتعالى- في جلاله وعظمته ومجده وبهائه يريد أن يبر عبده المؤمن لحبه إياه بشيء يطرفه؛ ليتجدد عليه جميع النعم بها، فيبره بشيء ليس عنده في مدائنه وقصوره وجنانه، فكذلك البر عنده أعظم موقع وسرور حتى يمتلئ فرحاً، ويبره هاهنا بطرف.فمن طرفه ما جاء في الخبر: إذا أراد الله أن يتحف عبده المؤمن، سلط الله عليه من يظلمه.لأن بلوى الدنيا كثيرة؛ من الأمراض، وألوان المصائب، وللنفس فيها فجعةٌ، ثم يرجع إلى ربه في أن هذا صنعه وتدبيره، فإذا ظلم، اشتدت فجعته، ووجد القلب من الألم عليه لما يتضاعف من اللوعة فيه، فتلك الأمراض والمصائب هدايا من رب العالمين.والظلم: تحفةٌ قد أطرفه الله بها.والطرفة: هو شيء يكون في الأحايين مرةً شيئاً لم يكن عنده مثله، فالظلم هو شيء لم يكن يجري عليه في أحواله من المصائب، فإذا أراد أن يطرفه؛ بأن يجدد له شيئاً لم يكن عنده، سلط عليه من يظلمه، فذاك تحفته له.وقد سلط على يحيى بن زكريا -صلوات الله عليه- من ذبحه ذبحاً.فليس هذا مما يجري في بلوى أهل الدنيا ومصائبهم، هذا شيء نادر شاذ محدث لعبده، حشو تلك الطرفة بره، وحشو ذلك البر حبه لعبده.فالجنة مسكن المؤمنين ثواباً لأعمالهم، فإذا أراد أن يتحفهم، بعث إليهم بطرائف ليس عندهم مثلها، فتلك تحفتهم، وكذلك في دار الدنيا قد هيأ للمؤمنين أموراً من طاعته يوفقهم لها، فإذا أراد أن يتحف أحداً منهم، سلط عليه ظالماً، ثم يرزقه الرضا بذلك، فيكتبه في ديوان أهل الرضا حتى يوجب له غداً رضوانه الأكبر.هذا لمن جعلت الجنة له ثواباً، ومن جعلت الجنة له هدية، فتحفته من مجالسه، ومن لطفه في تلك المجالس، والله أعلم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 342
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
