حدثنا عمر بن أبي عمر، قال: حدثنا علي ابن عبد الحميد المعني من ولد معن بن زائدة، عن نوح بن ذكوان الغنوي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة -رضي الله عنها-، عن جبيب بن الحارث، قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إني رجلٌ مقرافٌ للذنوب، قال: ((يا جبيب بن الحارث! فكلما أذنبت، فتب إلى الله)). قلت: ثم أعود يا رسول الله. قال: ((ثم تب إلى الله)). قلت: ثم أعود يا رسول الله. قال: ((ثم تب إلى الله)). قلت: إذاً يكثر يا رسول الله؟! قال: ((عفو الله أكثر من ذنوبك يا جبيب)). قال أبو عبد الله رحمه الله: فالتوبة للعبد مبسوطة حتى يعاين قابض الأرواح، وهو عند غرغرته بالروح، وإنما يغرغر به، إذا قطع الوتين، فشخص من الصدر إلى الحلق، فعندها المعاينة، وعندها حضور الموت؛ لأن الموت إنما يجيء به ملك الموت الذي وكل به، فهو الذي يذيقه، ومن قبل ذلك، كان أعوانه يسوقون الروح، وينزعونه من الجوارح والعروق.قال الله -تبارك اسمه-: {وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن}.فحضور الموت إذا حضر ملك الموت، وإنما يحضر عند قطع الوتين، وغرغرة الصدر والحلق بخروج الروح، فهناك يذيقه الموت حتى تطير الروح من رائحته، وتذهب معه الحياة، فليس ذلك وقت توبة، فأما قبل حضور ملك الموت، فالتوبة مبسوطة، وإن كان في السوق.وباب التوبة مفتوحٌ إلى طلوع الشمس من مغربها، فكلما أذنب العبد، ثم تاب، فقد رجع إلى الله، ودواء الذنب: التوبة، وشفاء العبد منه إذا ماتت شهوة ذلك الذنب منه.فقوله: إذاً يكثر يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عفو الله أكثر من ذنوبك))؛ أي: فضل الله على العبد أكثر من نقصان العبد، فإنه كلما أذنب، أبق من ربه، فكلما أبق، ازداد عيباً، وكلما ازداد عيباً، ازداد نقصاً في القدر والجاه، قال: ففضل الله على العبد أكثر من نقصانه؛ لأنه يتفضل من كرمه ومجده، (فالعبد ينقص من لؤمه وفقره، فكلما ظهر نقص، تفضل عليه بسترٍ يستره حتى لا يبدو نقصه وعيبه، فإن كثرت ذنوبه، فستره أكثر من ذنوب العبد، وإن كثر نقصه وعيبه، ففضله أكثر، وفضله على عبيده من جماله، والعبد مع نقصه وعيبه يرجع إلى ربه، فربه بفضله وكرمه وجماله أولى بالرجوع على عبده بأمله)).ورجوع العبد إلى ربه من فضله، فكم من مذنبٍ قد منعه من فضله، وحل به سخطه، وحرم التوفيق والتوبة!
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 242
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
