حدثنا هارون بن حاتمٍ، ثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن القاسم بن محمدٍ، قال: سمعت عائشة -رضي الله عنها- تقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من حرم حظه من الرفق فقد حرم حظه من خير الدنيا والآخرة، ومن أعطي حظه من الرفق، فقد أعطي حظه من خير الدنيا والآخرة)). ومن الرفق والتعليل: ما روي لنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه قال: ((لما انتهيت إلى سدرة المنتهى، فتدلى النور الأكبر، فغشي السدرة، فحار بصري، فحال دونه فراشٌ من ذهبٍ)). يعلله بذاك حتى يقوى بصره على رؤية النور؛ لأن الفراش إذا طار هكذا وهكذا، حجبه مرة، وانكشف له مرةً. وما روي عنه في قصة المعراج أنه قال: ((لما انتهيت إلى قرب العرش، تدلى لي رفرفٌ، وأخذني من جبريل، تناولاً إلى سند العرش، فجعل يهوي بي، يخفضني مرةً، ويرفعني أخرى)). فذاك تعليل للنفس، وذلك أنها لا تقوى على مباشرة الأمور في دفعة واحدةٍ، إلا قليلاً قليلاً، فقربه الرفرف حتى رفعه في مرفعه إلى العرش، ثم خفضه، ثم رفعه، لكي يتمالك النفس، ولو كانت في دفعة واحدة؛ لكان قمناً أن لا يتمالك. فكان الرفرف سبباً لتداريه، ورفقاً به. ويقال: إن الرفرف خلقٌ من خلق الله ممن اختصه للخدمة بين يديه، فمن حاله هذه الأمور، وإنما قيل: رفرف؛ لأنه يرفرف حول المشاهد والقربة بين يديه، ويقال: هو أخضر من الدر والياقوت فيما جاء به الخبر. فإنما أردنا بما ذكرناه من هذه الأشياء: إقامة شأن المراجيح للصبيان أنه يحتاج الصبي لصباه، وطفوليته على الأشياء المحبوبة، أن يعلل؛ كي يقوى على مقاساة ما يفطمه عنه، فمن شأن الصبي التردد والتقلب في لهوه فلا يستقر؛ لينام وهو محتاج إلى ذلك، فيوضع في المرجاح فيرجح نفسه هكذا وهكذا حتى يجد الصبر على الاستقرار في موطن واحد، وإنما قيل رجحان الميزان من هذا؛ لأنه يميل إحدى الكفتين، فإذا كان هذا للحاجة إليه لمريض أو صبي لا يجد قراراً، فهو خارج من النهي. وإنما وقع النهي عندنا: على من تشبه بأهل البطالة في ذلك اليوم، وبالملوك الفراعنة الذين تلذذوا به، فتلذذ هذا بمثل ذلك، فإن ذلك فعل ملهٍ مطربٌ مع الغناء والجواري، والسماع على شواطئ الأنهار في تلك الخضر، ونور الربيع، وأخذت الأرض زينتها وزخرفها في أيام النيروز مع طيب الهواء، وبنفس البرد، وتأخر الحر، وسجسجة الجو، تنزهوا في نزه الدنيا، وتنعموا بالألوان، وقضوا المنى والشهوات، وحف بهم المعازف، وركبوا المراجيح، فتعجلوا طيباتهم في حياتهم الدنيا. قال الله تعالى: {أذهبتم طيبتاكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون}. فبلغنا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كلم في امتناعه من التوسع من النعيم، فتلا هذه الآية، فقيل له: يا أمير المؤمنين! أليس هذا للكفار؟ فقال: ثكلتك أمك! الكفار أهون على الله من أن يعاتبهم. فنظرت في هذه الآية، فوجدت مبتدأها ذكر الكفار، وهو قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}، ثم قال في آخره: {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق}. فنظرت في هذه الآية، فوجدت مبتدأها ذكر الكفار، وهو قوله تعالى: {ويوم يعرض الذين كفروا على النار}، ثم قال في آخره: {فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق}. فأخبر أنه إنما جزاؤهم العذاب الهون بالاستكبار بغير الحق، وبالفسق؛ ليحذر المؤمن أن يستكبر في أرضه بغير الحق، أو أن يفسق؛ فإن دخول النار بالكفر، وتضاعف العذاب، وقسمة الدركات بالأعمال السيئة، ودخول الجنة بالإيمان، وتضاعف النعيم، وقسمة الدرجات بالأعمال الصالحة، والأخلاق الحسنة، فإنما عير الكفار بالكبر والفسق، ففزع عمر رضي الله عنه من ذلك، وحق له أن يفزع من تعجيل بعض الطيبات في الحياة الدنيا، والاستمتاع بها. ومن هاهنا ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنه أتي بعسلٍ قد خيض بماءٍ فرده وقال: ((أما إني لا أحرمه، ولكن أتركه تواضعاً لله)). كأنه رأى: أن النفس إذا أعطيت شهواتها، فذلك من الاستكبار، وإذا منعت، فذلك من التواضع لله تعالى، هذا فيما حل وأطلق له، فكيف بما حرم عليه؟ وأن الله تبارك وتعالى خلق الجنة، فحشاها بالنعيم ثواباً لأهلها، وخلق النار وحشاها بالعذاب عقاباً لأهلها، وخلق الدنيا فحشاها بالآفات والنعيم محنة وابتلاءً، ثم خلق الخلق، والجنة والنار في غيب منهم لم يعاينوه.فالنعيم والآفات التي هي في الدنيا هي أنموذج الآخرة، ومذاقه ما فيهما.وخلق في الأرض من عبيده ملوكاً، أعطاهم سلطاناً أرغب به القلوب، وملك به النفوس قهراً أنموذجاً ومثالاً لتدبيره وملكه، ونفاذ أمره ومعاملته، فجعل خبر ذلك كله تنزيلاً، فوصف الدارين، ووصف ملكه، وقدرته، وتدبيره، ومنته، وصنائعه، وضرب الأمثال على ذلك، ثم قال: {وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون}.فالعلماء بالله فهموا عن الله أمثاله؛ لأن المثل إنما هو صفة شيء قد شاهدته، يريك صفة ما غاب عنك، ويبصرك ما تبصره بعينك؛ لينفذ بصر قلبك إلى ما لا تبصره عينك، فيعقل قلبك ما خوطبت به من خبر الملكوت، وخبر الدارين في معاملة ملك الملوك، فليس في الدنيا نعمة ولا شهوة إلا وهي أنموذج الجنة وذوقها، ثم من وراء ذلك فيها: ما لا عينٌ رأيت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشرٍ.فلو سمى للعباد منها، لم ينتفعوا بتلك الأسماء؛ لأنهم لم يعقلوه هاهنا، ولا رأوه، وليس لها أنموذج في الدنيا، والجنة مئة درجة، وإنما وصف منها ثلاث درجات: الذهب، والفضة، والنور، ثم من وراء ذلك غير معقول، ولا تحتمله العقول.وكذلك ما في الدنيا من الشدة والعذاب، فهو أنموذج دار العقاب، ثم من وراء ذلك ما لا تحتمله العقول من ألوان العذاب، كل ذلك يخرج لهم من غضبه، ولأهل الجنة من رحمته، وكل من تناول من عبيده من دنياه مما أبيح له، وشكره عليها، أبدل له من الجنة ما يدق هذا في جنبه، ومن تناول مما لم يبح له، فقد حرم نفسه حظه من الدرجات، ومن كذب بها، حرم الجنة بما فيها أجمع، فلأهل الجنة عرائس وولائم وضيافات. فالعرائس: الدعوة، وذلك أن رب العزة دعاهم إلى دار السلام؛ ليجدد لهم أبداناً طرية، وأعماراً أبدية، فأجابوه.والولائم للأرواح، والضيافات للزيارة، ولأهل الجنة تلاقٍ وزيارات فيما بينهم، ومتحدث في مواطن الألفة، ومجتمع في ظل طوبى، يلقون الرسل هناك ويزورونهم.ومجالس الملائكة فيما بينهم، وأسواق يأتونها يتخيرون فيها الصور، وهدايا من الرحمن في أوقات الصلوات.ويغدى ويراح عليهم من ألوان الأطعمة والأشربة والفواكه بكرةً وعشياً، أرزاقهم دارة، لا مقطوعة ولا ممنوعة، ومزيد من الله يوماً بيوم، فإذا أتاهم المزيد، نسوا ما قبله.ثم لهم متنزه يخرجون إليها في رياض على شاطئ نهر الكوثر، عليه خيام الدر مضروبة، الخيمة ستون ميلاً في عرض مثله، من لؤلؤة واحدة، ليس لها باب، فيها جوارٍ عبقات أبكار لم ينظر إليهن ملك، ولا أحد من أهل الجنة من الخدم والحور، وهو قوله تعالى: {فيهن خيراتٌ حسانٌ}.وإذا قال الله تعالى لهن: حسان، فمن يقدر أن يصف حسنهن؟ ثم قال: {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}. فتلك خيرة الرحمن اختار صورهن الحسان من الصور، يدعى من سحائب الرحمة، فأمطرت جواري حساناً على مشيئة الكريم، نور وجوههن من نور العرش، فضربت عليهن خيام الدر، فلم يرهن أحد مذ خلقهن، فهن مقصورات في الخيام، قد قصرن؛ أي: حبسن على أزواجهن من جميع الخلق.فأهل الجنة يتنعمون في القصور مع الأزواج، ويلبثون في النعمة ما شاء الله، حتى إذا كان اليوم الذي يريد الله عز وجل أن يجدد لهم نعمةً ونزهةً، نودي في درجات الجنان: يا أهل الجنان! إن هذا يوم نزهة وسرور، وتفسح وحبور، فاخرجوا إلى متنزهكم، فيخرجون على خيول الدر والياقوت من أبواب مدائنهم إلى تلك الميادين، ثم يسيرون من تلك الميادين إلى تلك الرياض على شاطئ نهر الكوثر، فيهديهم الله تعالى إلى منازلهم، فينزل كل رجل منهم عند خيمته، ولا باب لها، فتنصدع الخيمة عن باب، وذلك بعين ولي الله؛ ليعلم أن التي فيها لم يطلع عليها أحد، وفاء لما قدم الله عز وجل من الوعد في دار الدنيا حيث قال: {فيهن خيراتٌ حسانٌ}، ثم قال: {حورٌ مقصوراتٌ في الخيام}، ثم قال: {لم يطمثهن إنسٌ قبلهم ولا جانٌ}. ويستوي معها على سرير النزهة في تلك الحجال، فيمال عليهم من وليمتها، فإذا طعموا الولائم، سقاهم الله شراباً طهوراً، وتفكهوا بطرف الفواكه التي جدد الله لهم من تلك الهدايا في ذلك اليوم، وأحلى الحلل، يخلع عليهم كسوة الرحمن، واشتغلوا بالخيرات الحسان يقضون منهن الأوطار والنهمات، ثم يتحولون إلى مجالس العبقريات المنشآت بألوان النقوش على شواطئ الأنهار في تلك الرياض، يركبون الرفارف الخضر، ويتكئون عليها، وهو قوله تعالى: {متكئين على رفرفٍ خضرٍ وعبقريٍ حسانٍ}.وإذا قال الله عز وجل لشيء: حسان، فماذا بقي؟فالرفرف: هو شيء إذا استوى عليه رفرف به، وأهوي به، كالمرجاح يميناً وشمالاً، ورفعاً وخفضاً، يتلذذ به مع أنيسه، وإذا ركبوا الرفارف، أخذ إسرافيل في السماع.وروي في الخبر: أنه ليس أحد من خلق الله أحسن صوتاً من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع، قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم، فإذا ركبوا الرفارف، وأخذ إسرافيل في السماع بألوان الأغاني تسبيحاً وتقديساً للملك القدوس، فلم يبق في الجنة شجرة إلا وردت، ولم يبق ستر ولا باب إلا ارتج وانفتح، ولم يبق حلقة على باب إلا رنت وطنت بألوان طنينها، ولم يبق أجمة من آجام الذهب إلا وقع هبوب الصوت في مقاصبها، فزمرت تلك المقاصب بفنون الزمر، ولم يبق جارية من جواري الحور العين إلا غنت بأغانيها، والطير بألحانها.ويوحي الله تعالى إلى الملائكة: أن جاوبوهم، وأسمعوا عبادي الذين نزهوا أسماعهم عن مزامير الشيطان، فيجاوبونهم بألحان وأصوات روحانيين، فتختلط هذه الأصوات فتصير رجة واحدة، ثم يقول الله عز وجل:يا داود! قم عند ساق عرشي، فمجدني، فيندفع داود في تمجيد ربه بصوت يغمر الأصوات ويجليها، وتتضاعف اللذة، وأهل الخيام على تلك الرفارف تهوي بها، وقد حفت بهم أفانين اللذات والأغاني، فذلك قوله عز وجل: {فهم في روضةٍ يحبرون}.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 147
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
