حدثنا بذلك أبي رحمه الله، قال: حدثنا الحماني، قال: حدثني ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن موسى بن أبي عثمان، عن أبيه، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إني أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجراً عند الله يوم القيامة، كلهم أوتي من الآيات ما الذي أوتيته بمثله اعتبر البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحياً أوحاه الله إلي، ثم أنا أكثرهم تابعةً)).قال له قائل: وما تلك الهداية؟ قال: إن الله -تبارك اسمه- {يهدي من يشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ}.فمن هداه هدي التوحيد، فإنما أعطاه نوراً هداه لمعرفته بأنه واحد، ثم تركه مع مجاهدة نفسه في أمره ونهيه، حتى يقطع عمره بذلك، فيلقاه مجاهداً لنفسه على سبيل الاستقامة، فيثيبه الجنة على ذلك، وإنما صار هكذا؛ لأنه أعطاه من النور ما عرفه رباً واحداً لا شريك له، ثم جاءت الشهوات، فأحاطت بقلبه، فلم تتركه على سبيل أهل الوفاء، حتى يكون له عبداً بجميع جوارحه، في جميع منقلبه، كما عرفه ربًّا، فيكون واقفاً عند أمره ونهيه، مراقباً لحدوده، فهذه هداية العامة، فلن تنال بهذا تلك الصفة التي ذكرت في التوراة والإنجيل والفرقان؛ لأن النفس بما فيها من الهوى غلبت على القلب، فلا تتركه على سبيل الاستقامة، حتى تميل به يميناً وشمالاً.وأما هداية العصمة والولاية بأن يقذف الله في قلب العبد نوراً وهو اليقين، حتى يهتك حجب الشهوات التي تراكمت في صدره على قلبه، فيمتلئ قلبه نوراً، ويشرق صدره، فتصير الآخرة له كالمعاينة.كما قال حارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم: كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً، وإلى أهل الجنة كيف يتزاورون، وإلى أهل النار كيف يتعاوون فيها، فعزفت نفسي عن الدنيا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((عرفت فالزم، عبدٌ نور الله الإيمان في قلبه)). فهذا نور على نوره، وذهبت ظلمات الشهوات من الصدور وهي التي كانت تحجبه عن الله، وعن وعده ووعيده، وتجلى في صدره شأن الدنيا، فعامة هذه الأمة من السلف برزوا، وصاروا أئمة، باليقين النافذ قد نفذوا الأسباب إلى وليها، فلم يبق مع الأسباب، ولا بقيت لهم علاقة، وهو قوله: {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين}.فالهدى على ثلاث منازل:هدى على سنة الرسل: وهو البيان يدعوهم، ويبين لهم، فتلك هداية الظاهر، وهو قوله: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى}، فإنما هداهم بالرسول.وهدى على القلب: يجعل فيه نوراً، فيعرفه رباً واحداً، وهو قوله: أومن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس}، فتلك هداية الباطن، وهو الإيمان.وهدى على القلب هدى الولاية: هو أن يقذف النور في قلبه بعد هذا، ويستقر فيه، وهو اليقين.وإنما سمي يقيناً؛ لأنه استقر، فيمتلئ قلبه نوراً، ويشرق صدره به، ويتصور له الدنيا والآخرة، وشأن الملكوت في صدره، ويتصور له أمور الإسلام، حتى تذل النفس وتنقاد، ويلقي بيديه سلماً من الخشية والهيبة والسلطان الذي حل بقلبه، وفي صدره، وهو قوله: {أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نورٍ من ربه}، فشرح الصدر إنما يكون من النور الذي يستقر، فيقال له: يقين.وأما نور التوحيد في القلب والصدر بتراكم دخان الشهوات مظلم كالليل، وكالغيم، وكالغبرة، وكالدخان، وكالقتار.وهدى رابع على القلب: هدى النبوة: وهو نور وجهه الكريم يوصل قلوبهم إلى وحدانيته، ويشرق صدورهم بنوره، ويجعلهم في قبضته، ويرعاهم بعينه، ويؤيدهم بروح قدسه، قال الله -تبارك اسمه- في تنزيله: {قل إن هدى الله هو الهدى}.أي: إن ذلك الهدى الذي على ألسنة الرسل غير نافع ولا مغيث، فإنما الهدى هداي الذي أهدي إلى القلوب، وإن كان ذاك أيضاً يسمى هدى، فهذا أحق الهدى، وهو كما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى النفس)). وكانت هذه حيلةً من اليهود؛ كي يشبهوا على المسلمين، فيستزلوهم، فأمروا طائفةً منهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيؤمنوا به، ثم يرجعوا إليه من آخر النهار مرتدين يخاصموه ويحاجوه، حتى يشككوا أصحابه، فقال الله -تبارك اسمه-: قل يا محمد: {إن الهدى هدى الله}؛ أي: إن الهدى الذي آتيتكم يا أمة محمد هدى الله.وقوله: {إن الهدى} معرفة، وليست نكرة، كأنه يشير إلى شيء مخصوصٍ؛ يعني: الهدى الذي أتى هذه الأمة هو هدى الله؛ أي: هو الذي تولاكم بالهداية، ثم قال: {أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم؛ أي: من الهدى، وهو اليقين، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمةٌ من اليقين ما أعطيت هذه الأمة)).ثم قال: {أو يحاجوكم عند ربكم}، وهي المحاجة التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث يوم القيامة.ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ. يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.فأما الحديث:فقال: إن هدى الله هو الهدى، وهدى الرسل حجة الله على خلقه بأنه بين لهم على ألسنتهم ضلالة سبيلهم، وأعطاهم إخلاصاً ومعرفة بالأمور، ونصراً لا يغني شيئاً، وأن هدى الله هو الهدى، ثم ذكر هذه الأمة، فقال في مبتدئه: {وقالت طائفةٌ من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون}. وكانت هذه حيلةً من اليهود؛ كي يشبهوا على المسلمين، فيستزلوهم، فأمروا طائفةً منهم أن يأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيؤمنوا به، ثم يرجعوا إليه من آخر النهار مرتدين يخاصموه ويحاجوه، حتى يشككوا أصحابه، فقال الله -تبارك اسمه-: قل يا محمد: {إن الهدى هدى الله}؛ أي: إن الهدى الذي آتيتكم يا أمة محمد هدى الله.وقوله: {إن الهدى} معرفة، وليست نكرة، كأنه يشير إلى شيء مخصوصٍ؛ يعني: الهدى الذي أتى هذه الأمة هو هدى الله؛ أي: هو الذي تولاكم بالهداية، ثم قال: {أن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم}؛ أي: لن يؤتى أحدٌ مثل ما أوتيتم؛ أي: من الهدى، وهو اليقين، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما أعطيت أمةٌ من اليقين ما أعطيت هذه الأمة)).ثم قال: {أو يحاجوكم عند ربكم}، وهي المحاجة التي ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث يوم القيامة.ثم قال: {قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليمٌ. يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم}.فأما الحديث:
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 125
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
