حدثنا عمر بن أبي عمر العبدي، قال: حدثنا سليمان بن حربٍ، قال: حدثنا أبو صالح الحراني غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد، عن أبي سمية، قال: سألت جابر ابن عبد الله عن الورود، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((الورود الدخول، لا يبقى برٌّ ولا فاجرٌ إلا دخلها، فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً، كما كانت على إبراهيم -صلوات الله عليه-، حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم، {ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيًّا}. قال أبو عبد الله: كأن الله عز وجل أحب أن يجعل ممر المؤمنين فيها؛ كي إذا نجوا منها، علموا من أين نجوا، فليس الخبر كالمعاينة، وإذا وردوا دار السلام، علموا أين دخلوا، فالشيء إنما يعرف بضده، ويعظم قدره عند هذا الآدمي، فلذلك قالوا عند دخول الجنة: {الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفورٌ شكورٌ}.{أذهب عنا الحزن}: قطع النيران حيث خلصنا منها، وجعلها برداً وسلاماً علينا، {الذي أحلنا دار المقامة من فضله}، وذلك أنهم ركبوا أهوالاً كأمثال الجبال لما عاينوا النيران، وعلموا أن ممرهم فيها، فأخذتهم الأحزان من وجوه، لا من وجه واحد، فلما نجوا، حمدوا ربهم على ما أذهب عنهم الحزن، وعلموا أنهم لم يحلوا دار المقامة إلا من فضله وكرمه، وأنهم لم يستوجبوا ذلك منة، وكأنه -تبارك وتعالى- أحب أن يبرز فضل الصادقين، وبذلهم أنفسهم له، وليأخذ الحق بحقه من أولئك الطبقة التي آثرت شهوات نفوسها بتضييع الحق، وهم أهل لا إله إلا الله، حتى تنتقم النار منهم في طول مدة، ثم تدركهم رحمة الله، وقد محصوا ونقوا وهذبوا وصلحوا لدار السلام، فيبدل لهم أجساداً، ويجعلهم في جواره ملوكاً، وليجوز الأولياء والصديقون وهم لا يشعرون بالنار.قال الله تعالى: {إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون}.وإنما بعدوا عنها؛ لأن النور احتملهم واحتوشهم، فهم يمضون في النار، حتى إذا أخرجوا منها، قال بعضهم لبعض: أليس قد وعدنا ربنا أن نرد النار؟ قالوا: بلى، ولكن مررتم بها وهي خامدة.وأما ضجة النار، فمن بردهم، وهو برد المؤمنين، وذلك أن الرحمة باردة تطفئ غضب الرب، فبالرحمة نالوا النور، حتى أشرق في قلوبهم وصدورهم، فعرفوه، وآمنوا به، وعبدوه، وكان نوره في قلوبهم، والرحمة مظلة عليهم، فخمدت النار من بردهم عندما لقوها.ألا ترى أنه قال في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حتى إن للنار ضجيجاً من بردهم))، فنسب البرد إلى المؤمنين.وأما ضجة النار: ((فمن أجل أنها خلقت منتقمةً [من] أهل الغفلة، وحشيت بغضب الله، فإذا جاءت الرحمة ببردها، والمؤمن بنوره؛ ضجت النار مخافة أن تبرد، فتضعف عن الانتقام.وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يحقق ما قلنا.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 99
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
