حدثنا علي بن سعيدٍ المسروقي، وعلي بن حجر، قالـ[ا]: حدثنا ابن المبارك، عن حيوة بن شريحٍ، عن بكر بن عمرٍو، عن عبد الله بن هبيرة، عن أبي تميمة الجيشاني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو توكلتم على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً، وتروح بطاناً)).وقال تعالى في تنزيله: {وكأين من دابةٍ لا تحمل رزقها الله يرزقها}، ثم قال: {وإياكم}، فأخبر أن الدواب لا تحمل رزقها، وأن المتوكل يرزق كما يرزق الطير.قال له قائل: فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أدخل قوت سنة لعياله، وقد تواترت الأخبار بذلك من فعله.قال له: ليس الإدخال من الادخار في شيء، إنما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر مما أفاء الله عليه، فأدخل لعياله من الخمس قوتهم، وكذلك من بني قريظة، والنضير، تلك أمانة ائتمنه الله عليها، وسلطه على ذلك، وقسم، وصرفها في نوائب الحق، والقلب منه خالٍ، ملك من الملوك غني بالله، حر من الأحرار، فماذا ضره؟ وهل كان سبيل ذلك المال الذي أوتي إلا هكذا؛ أن يصرفه في نوائب الحق، فصرفه في الكراع والسلاح، وفي ذوي الحاجات من الأباعد، فما باله يحرم عياله؟ فلم يجئك في الخير: أنه أدخل قوت سنة لنفسه، إنما ذلك لعياله، وعياله كسائر الناس، ولا يحمل عياله ما لا يطيقونه، فإنما يطيق هذا الأنبياء، والأولياء، وأهل اليقين الذين تقوم بهم الأرض، قد طهرت قلوبهم، وتنزهت نفوسهم من تهمة الله.ألا ترى إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال له ذلك الرجل: قد أكثرت علي، فأوصني بوصية قصيرة، قال: ((اذهب ولا تتهم الله على نفسك)). فأهل اليقين فوضوا أمرهم إلى الله عز وجل، وخلت قلوبهم من فكر التدبير لأنفسهم من جميع أمورهم وأحوالهم، فزالت التهمة عنهم.وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وقعت الأموال بيده، يصرفها في الكراع والسلاح؛ لحاجتهم في ذلك الوقت إلى ذلك، فكان يرفع مقدار قوت نسائه؛ ليعلم ما يبقي هناك، فيصرفه في هذه الوجوه، فكأن الذي يدخره رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما يخزنه على نوائب الحق، فلا يضره خزنه، وإنما يضر الذي خزنه لنفسه، فكذلك الذي ادخره.وقد أمر الله تعالى بحرز الأموال وحفظها، فقال تعالى: {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً}، فإذا أحرزه، فإنما يحرزه لما ينوب من حقوق الله، حتى يصرفه فيه، فهو مأجور فيه، وخازن من خزانه، وإذا أحرزه ليتخذه عدة لنوائب نفسه ودنياه، فهو في نقص وإدبار وخذلان من الله، ومسؤول غداً عن كل درهم منه، من أين، ولم، وفي أين؟ فليس في إدخال رسول الله صلى الله عليه وسلم قوت سنةٍ لعياله علينا دخلٌ فيما قلناه، فإنه كان خازناً، فلما وقع بيده، قسم لعياله مثل ما كان يقسم لغيرهم، فإنه إحدى نوائب الحق.وأيضاً خلة أخرى: أنه كائن أن نفوس أزواجه كانت لا تطمئن إلا على الإحراز، فلم يكلفهن ما ليس ذلك لهن مقام، وإنما زجر بلالاً في حديثه أنه قال: خبأته لك يا رسول الله، فقال: ((أما خفت أن يخسف الله به في نار جهنم؟!)).كما صنعت أم سلمة، فصارت بضعة اللحم فلذة حجر؛ لأنها خبأت له.والحديث الذي جاء أنه قال لأم أيمن ما قال كذلك أيضاً، فإنها قالت: خبأته لك.وكذلك قول أنس: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئاً لغدٍ)).فهذا يدل على أنه كان لا يدخر لنفسه.فأما عياله، فقد كان يبعث إليهم مما يبقى عندهم أياماً، فأما فعل أم إسماعيل، فإنها كانت في حال ضرورة، فلما زالت الضرورة، أخذتها عجلة النفس التي ركبت في الآدمي، فجعلته في الوعاء، فاستقر، وامتنع ما ظهر؛ لانقطاع المدد، وإنما كان ذلك بدؤه من الكرم، فلو تلقاه كرم الآدمية، لكان شكراً، والشاكر في مزيد، وكان يجري فلا ينقطع المدد، ولكنه تلقاه لؤم النفس؛ فإن النفس لئيمة، فتراجع الكرم وأعرض مولياً لما لم يجد له قابلاً يحسن قبوله، وكانت تلك عين سوغ الله لها مخرجها من الجنة كرماً إلى تلك البقعة من دار الدنيا، وبعث جبريل عليه السلام، فكانت منه هزمة بعقبه، فانتبع الماء، فكان ذلك من كرم ربنا، عاملها على بغيتها وسالمتها، فكان الأليق بهذا الفعل منها أن تأخذ منها حاجتها على تؤدة وأناة، وسعة صدر وحياء منه، وتكرم وتعفف، وتذر ما بقي بين يدي من أجراه لها حتى تنظر ما يدبر فيه، فلما عجلت وأخذت تدبر لنفسها، فعلت فعلاً غير لائق بكرم ربنا علينا.ومثال ذلك في الآدميين فيما بينهم موجود، فلو أن ملكاً من ملوك الدنيا نظر إليك في وقت حاجتك إلى شيء، فرحمك؛ كأن رآك جائعاً، فهيأ لك مائدةً عليها ألوان الطعام؛ لتأخذ منها حاجتك، فجعلت تأكل لقمةً، وتضع لقمةً تحت المائدة تخزنها لنفسك، ألم يكن.ولو نظر إليك في وقت حاجتك إلى كسوتك، ففتح عليك باب خزانته لتكتسي منها، فرفعت منها كسوتك، ثم مددت يدك بالعجلة والحرص إلى أثواب لتخزنها في بيتك وخزانتك، أليس ذلك مما يضعك عنده؟ وأريته نفسك من عندك أنك اتهمته على نفسك، وأنت إذا نطقت، قلت: أنت خير لي من نفسي، ألم يك يضع ذلك القول منك على الهذيان، ويقول في نفسه: فإن كنت أنا خيراً لك من نفسك، فما الذي حملك على أن مددت يدك إلى ما لا تحتاج إليه من الفضول تريد أن تخزنه لنفسك دوني؟!فإذا كان هذا سمجاً قبيحاً عند ملوك الدنيا مثل هذه المعاملة، فكيف بمن يعامل رب العالمين بمثل هذا؟ فكلما أعطاك شيئاً من الدنيا، فتناولته على غير حد الأمانة، فأنت في هذا اللؤم إلى القرن والقدم حتى تأخذه على سبيل أنه ماله ائتمنك عليه؛ لتصرفه في نوائب حقوقه. فأول حقوقك: نفسك، وعيالك، ثم أرحامك، وجيرتك، ثم نوائب الحق التي تنوبك، واحداً على أثر واحد.وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سئل، فقيل: يا رسول الله! إني أصبت ديناراً، قال: ((أنفقه على نفسك))، قال: أصبت آخر؟ قال: فلم يزل يقول: أصبت آخر، وهو يأمره بصرفه في وجه حتى كان في السابعة، قال: أصبت آخر، قال: ((أنفقه في سبيل الله، وذلك أخسهن وأدناهن أجراً)).رواه سعيدٌ المقبري، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 72
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
