حدثنا حميد بن الربيع اللخمي، قال: حدثنا محمد بن حميدٍ، عن معمرٍ، عن أيوب، وكثير بن كثير بن المطلب، يزيد أحدهما على الآخر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم))، أو قال: ((لو لم تغترف الماء، لكانت زمزم عيناً معيناً)). قال أبو عبد الله: ينبئك أن الحرص داخل بالفساد على الأشياء؛ لأن الحرص من النهمة، وخلق الله هذا الآدمي في غيب منه فقيراً محتاجاً مضطراً، فهو ينتظر الأسباب، ويطلبها، ويحرص عليها، وهو معترف على حد الإيمان به أنه هو الذي يجريها ويوصلها إليه على أيدي الأسباب، ثم تأخذه الحيرة والعجلة التي ركبتا فيه، هذا لأهل اليقين كائن.وأهل الغفلة مفتونون فيها، يعصونه، ويضيعون حدود الله خالق الأسباب، فأدرك أم إسماعيل ما يدرك الآدميين من هول الغربة والوحشة في تلك المفازة والعطش الذي حل بابنها، وكربها شأن ذلك، حتى أخذت تعدو هكذا وهكذا في طلب الماء، وتستغيث، فلما جاءها الغياث، لم تنفك من العجلة التي ركبت في الآدمي، وخلق الإنسان من عجل، فاغترفت، فأحرزته في وعائها، فانقطع المدد، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنها لو اطمأنت في ذلك الوقت إلى من أجرى لها ذلك، لكفيت عن الاغتراف والإحراز في الوعاء، لجرت، وبقيت جارية إلى يومنا هذا، ولكنها لما عاينت الماء، اهتشت النفس إليه؛ للحاجة والضرورة التي قد كانت حلت بها، فشغلت بالموجود عن الذي أوجده، حتى حملتها النفس على الاحتراز؛ لتطمئن.وهو قول سلمان، حيث رئي يحمل جراباً، فقيل له: ما هذا يا أبا عبد الله؟ قال: إن النفس إذا أحرزت رزقها، اطمأنت.فهذا عمل النفس ليس عمل القلب؛ فإن القلب موقنٌ أن الرزق هو الذي يوصله الله إليه في وقته، والنفس في عماها وظلمتها تزعم أن الرزق هو الذي توعيه في جرابها، فصاحبها في بلاء من وسوستها وتقاضيها، فإذا أراد صاحبه أن يتخلص منها حتى لا توسوسه، ويفرغ قلبه من وسوستها، أسعفها بذلك، كما فعل سلمان، فتطمئن إلى ذلك، وتسكن، ويتفرغ القلب ويستريح من تقاضيها.ومما تورد عليه في هذا الباب يهيئ الله له رزقه المكتوب له في اللوح من غير ذلك الذي هيأه في جرابه، حتى تبين له كذبه وجهله، وإذا الذي وعاه سلط عليه غيره حتى أخذه، فصار الذي وعاه رزق غيره، فمن أحرز ذلك، فإنما فعله لطمأنينة نفسه وقرارها؛ ليتفرغ قلبه لله من وسواسها، وهذا فعل يدخل فيه نقص على أهل التوكل، والأنبياء والأولياء والعارفون في خلو من هذا؛ لأن الشهوات منهم قد ماتت، والنفس قد اطمأنت بخالقها، والقلوب منهم قد حييت بالله، والصدور منهم قد أشرقت بنور الله، والأركان منهم قد خشعت لله، فسواء عليهم أحرزوا، أو لم يحرزوا، فإن أحرزوا، فليس ذلك منهم إحرازاً، إنما هو شيء قد ائتمنوا عليه، فأخذوه من الله بأمانة، ووقفوها على نوائب الحق، فما صار بأيديهم من الدنيا، فهي موقوفة ينتظرون نوائب الحق، قد ملئت قلوبهم من عظمة الله وجلاله، فلم يبق للدنيا بما فيها موضع رأس إبرة تحل حلاوتها وشهوتها ولذتها هنالك.فقد ارتفعت فكر شأن الأرزاق والمعاش عن قلوبهم، وتعلقت نفوسهم بقلوبهم، فعلقت قلوبهم بخالق الأرزاق، وعالم التدبير، وقالوا: حسبنا الله، فخرجت هذه الكلمة منهم من قلب حيي بالله على بصيرة من النفس، فلم يبق في صدورهم اختلاجٌ ولا تنازع ولا ريب، واستقرت الأركان، فمتى ما وقع بأيديهم شيء من الدنيا، لم يحبسوها لأنفسهم، وعدوها أمانة قد ائتمنهم الله عليها. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنما أنا خازنٌ أقسم، والله يعطي، فأنا أبو القاسم أقسم، والله يعطي)).
نوادر الأصول في معرفة أحاديث الرسول · Hadith 67
Translated by Dr. Muhammad Muhsin Khan · Reviewed by Islamic University of Madinah · Published March 2020
